المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الانسان المصرى


دكتور نبيل
07-11-2009, 10:24 AM
ماذا جرى للإنسان المصري؟

أكتب لك يا سيدي القارئ طارحا سؤالا حيرتني إجابته بحيث قلت ساعات نومي وشرد الذهن مني وأصابني هم وكمد، أجزم بأنه قد أصاب الكثيرين، فلا أظن أنني أقف وحدي بالبيداء، أناقش الرمال والهواء، وإلا لذهبت متطوعا إلى إحدى المصحات العقلية طالبا النصح والدواء. سؤالي الملح هو: ماذا جرى للإنسان المصري؟

يقول لنا التاريخ أن الإنسان المصري كان يثور إذا ما أغضبه أمر ما، وكم حكى لي أبي عن "هوجة عرابي" ذلك القائد الذي ثار على الحاكم والمحتل وعن سعد زغلول رئيس الحكومة المنتخب الذي وصل ضيق المستعمر به إلى حد نفيه بعيدا بجزيرة مالطة. فماذا جرى لنا اليوم؟ تذكر أن الإنجليز لم ينفخوا سعد زغلول ولم يضربوه بالسياط ولم يعلقوه من أرجله، ربما لأن حظه كان أحسن فمصر وقتها كانت مستعمرة بريطانية ولم تكن جمهورية وطنية تنعم بالحرية ونفحات من هواء الديمقراطية الذي يملأ السجون.

هل كان انقلاب عبد الناصر الذي أسموه ظلما "ثورة" سببا في "انقلاب" لسيكولوجية الثورة داخل الإنسان المصري؟ هل أصيب الإنسان المصري بخيبة أمل قتلت فيه الإحساس بجدوى الثورة على الظلم؟ هل يحس الإنسان المصري بالإحباط وهو يري الانتهازيين واللصوص يسرقون منه ثمار الرصاص الذي زرعه الأعداء في صدره عندما كان يثور ويقاوم؟

لماذا كان المصري قادرا على الوقوف أمام رصاص الإنجليز وكان قادرا على الخروج في حرب غير متكافئة ضد قوات نابليون الزاحفة من الشمال، بينما يعجز اليوم عن مقاومة زبانية الاستبداد؟ هل تاريخنا مزيف؟ هل أنا مخطئ في تقديري وسوف تثبت لي الأيام خطئي؟ هل سأرى قبل أن أموت جحافل المصريين في ثورة عارمة لا تهاب رصاص الطغيان لتضع نهاية لعصر الظلم والظلام؟ أنقذني يا سيدي القارئ بإجابة تشفي غليلي فقد احترت واحتار معي دليلي.

كشف حساب الوطن واضح لا يمكن السكوت عليه. كان المفروض أن إعادة توزيع الثروة سوف يزيد من حجم الطبقة المتوسطة ويقلل من عدد الفقراء، فإذا بالعكس يحدث وإذا بالملايين من أبناء الطبقة المتوسطة تنضم إلى صفوف الفقراء الذين يكافحون طيلة حياتهم ونهاية المنى ألا ينام أطفالهم بلا عشاء. كان المفروض أن الأمور سوف تتحسن بعد القضاء على طبقة "الإقطاعيين" الوهمية من أصحاب المزارع الإنتاجية، فإذا بنا نرى الإقطاعيين الجدد في صورة بليونيرات "البودرة" والمال العام المسروق. كان المفروض أن تتحول مصر إلى جمهورية ديمقراطية تختار رئيسها بانتخابات نزيهة، فإذا بها تتحول إلى أعتى وأشد الدكتاتوريات بشاعة في عالمنا المعاصر، بعد أن غيروا ديكور الملكية القديم واستبدلوا مجلسي البرلمان العريقين بجمع من اللصوص والمرتشين وتجار المخدرات.

كان المفروض أن نتطور اقتصاديا وأن نعيد توزيع خريطتنا السكانية بمشروعات عملاقة مثل زراعة الصحراء الغربية لتغيير المناخ، ونقل العاصمة بعيدا في الصحراء، لكننا بنينا البثور حول القاهرة لتتحول إلى مسخ سكاني مزدحم قذر سيئ التخطيط بدلا من العمل على تفريغها من بعض السكان بجذبهم إلى العاصمة الجديدة لكي تتحول القاهرة إلى واحدة من أرقي وأجمل مدن العالم وأشدها جاذبية سياحية. وبدلا من سرعة توسيع الرقعة الزراعية لكي ننتج طعامنا أدى سوء التخطيط إلى زراعة المباني فوق الأرض الزراعية الخصبة وتسول الطعام من العدو مقابل القواعد العسكرية والسيطرة.

كان المفروض أننا نقود الأمة العربية إلى مستقبل أفضل يحجم الميكروب الإسرائيلي الذي زرعه الغرب بيننا في فلسطين لكي يوقف نمونا الحضاري، فإذا بالميكروب الإسرائيلي يهاجمنا وتحيط بنا إفرازاته من التوكسينات في صورة أفراد من طراز يوسف والي وحسنين مبروك يعملون على تسليمنا لقمة سائغة للعدو الصهيوني الأمريكي دون مقاومة، وإذا بنا ننقاد وراء العدو محاربين في صفوفه ضد العراق وداعين ياسر عرفات إلى مزيد من الضغط على "الانتحاريين" الفلسطينيين والاستمرار في لعب الطاولة مع الصهاينة والأمريكان الذين لا يملون اللعب معنا وبنا.

لقد تغير كل شيء إلى الأسوأ، وإذا ما تفحصت المواقع القيادية حيث يتم التخطيط لمستقبل هذا الوطن لوجدت أسوأ النوعيات وأقلها كفاءة، وإذا بالأفراد الأكفاء يرفضون العمل كوزراء عندما تعرض عليهم المناصب لأنهم يربئون بأنفسهم أن يكونوا أطرافا في مهزلة. أستطيع على البعد أن أفهم ذلك فقد رأيت الوزراء على شاشات التلفاز أشبه بتلامذة المدارس الصغار، يعجزون عن عمل أي شيء بدون "توجيهات سيادة الناظر". وسيادة الناظر لا يعلم الكثير عن إدارة المدارس ويعتمد على وكيل المدرسة الذي لا يدري من أمره شيئا هو الآخر.

مصر في حاجة ماسة إلى إدارة سليمة. نحن في حاجة إلى مدير عام للدولة واع وفاهم وحر الحركة يختار طاقما من المتخصصين الأكفاء للبحث عن حلول غير تقليدية لمشاكلنا التي تفاقمت، بعيدا عن وهم المعونة الأمريكية وبيوت الخبرة الأمريكية التي تتقاضى الجزء غير المسروق من تلك المعونة. نحن أدرى بمشاكلنا ولدينا الخبرة المصرية التي تستطيع حلها. لكن الكفاءة تهرب من جو يحيط به الزيف واللصوصية والقهر وأجهزة المخابرات وإهدار الكرامة، ولا يبقى سوى السكارى والمرتشين والأفاقين والإمعات لقبول المناصب القيادية. فتكون النتيجة أن كل رئيس وزارة يذهب يسلم المسئولية لمن هو أقل منه كفاءة، وكل وزير يذهب يأتي من بعده من هو أجهل منه.

أما أغرب المصطلحات في معادلة القوى السياسية المصرية - التي تساوي الصفر - فهو مصطلح "أهل الثقة". ثقة من في من على من؟ (اعذرني يا سيدي القارئ فقد قضيت معظم أيامي مدرسا للرياضيات). أي ثقة تلك التي تضع أهل الجهل في مواقع اتخاذ القرارات المصيرية؟ لقد دفع الإنسان المصري ثمنا باهظا من مستقبل أبنائه بعد سنوات عدة من الثقة في أهل الجهل من ذوي العاهات الفكرية والعلمية والقيادية. كل شبر على أرض مصر ينطق بالجهل وسوء التخطيط وعجز الإدارة.

سأحكي لك قصة واقعية رمزية قصيرة تجسد لك كيف تبلدت حواس الإنسان المصري بعد أن تم تدريبها على قبول الواقع الشاذ. جمعتني الأقدار يوما في رحلة طويلة بالباص - في ربوع ولاية فيكتوريا الأسترالية - مع عدد من المصريين كان من بينهم ضيوف زوار من أهل القاهرة. توقف الباص بنا للراحة أثناء السفر وبدأت أتمشى على الطريق الرئيسي للبلدة الصغيرة التي يعادل حجمها حجم قرية بربوع الريف المصري. وإذ بي أفاجأ بسيدة من الزوار القاهريين ومعها ابنها يقفان على قارعة الطريق في مواجهة إحدى الحدائق العامة، ظهرهما للسيارات المارة فلا يريا تلك السيارات - وبالتالي فإنهما يعتقدان أن من بالسيارات لا يرونهما - والطفل ممسكا بخرطوم تبوله يروي به الحديقة. ربما كان المنظر مألوفا اليوم بالقاهرة، لكن الأغرب هو أن مرحاض الحديقة العامة النظيف الخالي كان على بعد خطوات.

الحكمة من تلك القصة البسيطة هي أن السيدة الكريمة لم تقصد سوءا، لأنها قد تعودت على نقص الخدمات العامة ولم يخطر ببالها وجود مثل تلك الخدمات في كل مكان تلزمه الخدمة حتى لو كان المكان حديقة عامة لقرية صغيرة، فبدلا من زيادة عدد المراحيض العامة بشوارع القاهرة، تمت إزالة ما بناه الإنجليز منها. أعتقد أن قضاء الحاجة قد أصبح واحدا من كبريات المشاكل إذا ما خرجت من بيتك بأي مدينة مصرية. هي مشكلة حلها بسيط وقد حلها الأجانب بحسن التخطيط في أشد مدنهم ازدحاما، لكن مسئولينا العجزة لا يحلون مشكلة ولا يقضون حاجة … أي حاجة.

روعة الاسلام
07-11-2009, 04:17 PM
دكتور نبيل

موضوع جميل جزاك الله خيرا

لكن مكانه الحوار العام

نمر البحر
07-11-2009, 06:12 PM
حياك الله دكتور نبيل موضوع رائع

حبيبة بابا
08-09-2009, 03:58 PM
موضوع رائع

شكرا لك دكتور نبيل

بارك الله فيك

marwan
06-01-2010, 05:12 AM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]