مشاهدة النسخة كاملة : سيرة أبي بكرٍ الصديق
ابو رضوان
09-19-2010, 06:42 PM
سيرة أبي بكرٍ الصديق
رضي الله عنه
وصورٌ من زهده
} تنبيه{ :
×لقد حاول المستشرقون -ومن قبلهم الروافض- أن ينشروا كل رواية باطلة تنقص من شأن الصحابة الكرام، وتطعن في تاريخ الأمة المجيد، وتصور تاريخهم بأنه صراع على السلطة والسيادة والنفوذ، ولذلك يجب الحذر من كل رافضي كاذب، ومستشرق حاقد، وعلماني جاهل, وكل من سار على نهجهم. ولا بد من الدفاع المستميت عن تاريخنا الخالد والهجوم الشجاع على مناهج الكذابين والمنحرفين، ويكون هذا الهجوم المبارك بقذائف الحق العلمية المملوءة بالحقائق الساطعة والأدلة القاطعة والبراهين الدامغة.
إن صياغة التاريخ الإسلامي بمنهج أهل السنة والجماعة ضرورة ملحة لأبناء الأمة، وقد بدأت أقلام الباحثين والكتاب تصوغ التاريخ من هذا المنظور وهم لم يبدأوا من فراغ؛ لأن الله حمى دينه وحمى أمة الإسلام فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه ويصحح أخباره، ويكشف الستر عن الوضاعين والكذابين من ملفقي الأخبار، ويرجع الفضل في ذلك التصحيح إلى الله ثم أهل السنة والجماعة من أئمة الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير من الإشارات والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ما وضعه الملفِّقون([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
سيرة أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهوصورٌ من زهده :
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما :
أولاً : لمحات من سيرة أبي بكرٍ الصديق t :
ثانياً : صورٌ مشرقة من زهد أبي بكر الصدَّيق t :
وهاك تفصيل ذلك :
× أولاً : لمحات منسيرة أبي بكرٍ الصديق t :
قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء :
أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والأسفار، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار، وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الأعصار، و لم يسم إلى ذروته همم أولى الأيد والأبصار، حيث يقول عالم الأسرار: ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ) [التوبة : 40] إلي غير ذلك من الآيات والآثار، ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار، التي غدت كالشمس في الانتشار، وفضل كل من فاضل، وفاق كل من جادل وناضل، ونزل فيه: قال تعالى: ( لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) [الحديد : 10]. توحد الصديق، في الأحوال بالتحقيق، واختار الاختيار من الله حين دعاه إلى الطريق، فتجرد من الأموال والأعراض، وانتصب في قيام التوحيد للتهدف والأغراض، صار للمحن هدفاً، وللبلاء غرضاً، وزهد فيما عز له جوهراً كان أو عرضاً، تفرد بالحق، عن الالتفات إلى الخلق، وقد قيل إن التصوف الاعتصام بالحقائق، عند اختلاف الطرائق.
×اسم أبي بكر الصديق ونسبه وكنيته وألقابه :
هو عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، ويلتقي مع النبي e في النسب في الجد السادس مرة بن كعب([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)) ويكنى بأبي بكر، وهي من البكر وهو الفتى من الإبل، والجمع بكارة وأبكر وقد سمَّت العرب بكراً، وهو أبو قبيلة عظيمة([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) ولُقب أبوبكر t، بألقاب عديدة كلها تدل على سمو المكانة، وعلو المنزلة وشرف الحسب منها:
(1) العتيق :
ـــ ـــ ـــ ـــ
لقبّه به النبي e؛ فقد قال له e: (أنت عتيقُ الله من النار) فسُمِّيَ عتيقاً([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح الترمذي ) أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت عتيق الله من النار فيومئذٍ سُمِّيَ عتيقا .
(2) الصديق :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
لقبه به النبي e كما في الحديث الآتي :
( حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري )أن النبي r صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وِصِدِّيْق، وشهيدان).
وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي e .
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة ) قالت :لما أسري بالنبي e الى المسجد الاقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناسُ، كانوا آمنوا به وصدقوه وسعى رجال الى أبي بكر، فقالوا: هل لك الى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليله الى بيت المقدس! قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة الى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!! قال نعم ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبوبكر الصديق .
وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر الى تصديق الرسول e ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبداً([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه الشعراء:
قال أبو محجن الثقفي :
وسُمِّيت صـديقاً وكل مهاجر
ســواك يُسَمَّى باسمه غير منكر
سبقت الى الاسلام والله شاهد
وكنت جليساً في العريش المشهر([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6))
وأنشد الأصمعي([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، فقال:
ولكني أحبّ بكل قلبـي وأعلم أن ذاك من الصــواب
رسول الله والصدِّيق حبَّاً به أرجو غداً حسن الثواب([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8))
(3) الصاحب :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
لقبه به الله عز وجل في القرآن الكريم: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة، الآية:40)
وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبوبكر t([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9))،
( حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين)أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي e وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي e: (ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا......... إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}فإن المراد بصاحبه هنا أبوبكر بلا منازع([10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn10))، والاحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في المنقبة غيره([11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn11)).
([1]) الإصابة لابن حجر (4/144،145).
([2]) سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، ص27.
([3]) ابو بكر الصديق، علي الطنطاوي، ص46.
([4]) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (15/280) إسناده صحيح.
([5]) الطبقات الكبرى (2/172).
([6]) أسد الغابة (3/310).
([7]) هو عبدالملك بن قريب الباهلي رواية العرب ونابغة الدنيا في الحفظ.
([8]) أبوبكر الصديق للطنطاوي، ص49.
([9]) تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء، يسري محمد هاني، ص39.
([10]) الإصابة في تمييز الصحابة (4/148).
([11]) نفس المصدر (4/148).
([1]) المنهج الإسلامي لكتابة التاريخ، د. محمد محزون، ص 4.
يتبع
ابو رضوان
09-19-2010, 06:45 PM
(4) الأتقى:
ـــ ـــ ـــ
لقبه به الله عز وجل في القرآن العظيم في قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} (سورة الليل، الآية: 17).
الْأَتْقَى : أي المتقي الخائف .
قال ابن عباس : هو أبو بكر - رضي الله عنه - يزحزح عن دخول النار .
(5) الأواه:
ـــ ـــ ــ
لقب أبو بكر بالأواه وهو لقب يدل على الخوف والوجل والخشية من الله تعالى، فعن ابراهيم النخعي قال: كان أبوبكر يسمى بالأواه لرأفته ورحمته([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
×كنيته : أبو بكر
`مولد أبي بكر الصديق t :
لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل، وإنما اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر ولم يحددوا عدد الأشهر([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
` صفة أبي بكر الصديق t :
كان أبو بكر رضي الله عنه أبيض نحيفاً، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، ناتئ الجبهة ، وكان يخضب بالحناء والكَتَم .
وكان رجلاً اسيفاً أي رقيق القلب رحيماً .
`إسلام أبي بكر الصديق t :
كان إسلام أبي بكر رضي الله عنه وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطر السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة، والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قَطَعَ الفيافي، والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية وتنقل من شمالها إلى جنوبها، وشرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقاً، بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))، فقد حدّث عن نفسه فقال: كنت جالساً بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيْل قاعداً، فمرّ ابن أبي الصَّلْتِ، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال: كل دين يوم القيامة إلا : ما مضَى في الحنيفية بُور([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)) أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصّدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسباً -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسباً. قلت: ياعمّ ومايقول النبي؟ قال: يقول ماقيل له؟ إلا إنّه لايظلم، ولايُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله e آمنت به وصدّقته([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6))، وكان يسمع مايقوله أمية بن أبي الصلت:
في مثل قوله : ألا نبي لنا منا فيخبرنا
مابعد غايتنا من رأس مجرانا
إني أعوذ بمن حـــــج الحجيج له
والرافعون لدين الله أركـانا
لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، و فكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم e أصحابه يوماً -وفيهم أبو بكر الصديق قائلاً: من منكم يحفظ كلام -قيس بن ساعدة- في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلاً: إني أحفظها يارسول الله، كنت حاضراً يومها في سوق عكاظ ، ومن فوق جمله الأورق وقف قيس- يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات ومن مات فات، وكل ماهو آتٍ، آت، إن في السماء لخبراً، وإنَّ في الأرض لعبراً، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!!
يُقسم قيس، إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون، ولايرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلاً:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصائر
ورأيت قومي نحوها يسعى الأكابر والأصاغر
أيقنت أني لامحالة حيث صار القوم صائر([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))
وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8)).
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصّها على بحيرا الراهب([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9))، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه([10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn10)).
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي e في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي e أخذ يدعو الأفراد إلى الله وقع أول اختياره على الصديق رضي الله عنه، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس فكيف يكذب على الله([11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn11))؟
فعندما فاتحه رسول الله e بدعوة الله وقال له: .. إني رسول الله ونبيه، بعثني إلى الله وحده لاشريك له، ولاتعبد غيره، والموالاة على طاعته([12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn12))، فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته فقام بما تعهد ولهذا قال رسول الله e في حقه: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين .
( حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري )قال :كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما صاحبكم فقد غامر). فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر). ثلاثا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر، فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي). مرتين، فما أوذي بعدها.
وبذلك كان الصديق رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال إبراهيم النخعي، وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر: أول من أسلم أبو بكر. وقال يوسف بن يعقوب الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا: محمد بن المنكدر، وربيعة بن عبدالرحمن، وصالح بن كيسان وسعد بن ابراهيم وعثمان بن محمد الأخنس وهم لايشكون أن أول القوم إسلاماً أبو بكر([13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn13))،
([1]) الطبقات الكبرى (3/171).
([2]) سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، ص29؛ تاريخ الخلفاء، ص56.
([3]) تاريخ الدعوة الى الاسلام في عهد الخلفاء الراشدين، ص30.
([4]) مواقف الصديق مع النبي بمكة، د.عاطف لماضة، ص6.
([5]) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص52.
([6]) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص52.
([7]) مواقف الصديق مع النبي بمكة، ص8.
([8]) نفس المصدر ، ص9.
([9]) الخلفاء الراشدون، محمود شاكر، ص34.
([10]) نفس المصدر، ص34.
([11]) تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين، ص44.
([12]) السيرة النبوية لابن هشام (1/286)؛ السيرة الحلبية (1/440).
([13]) صفة الصفوة (1/237)؛ احمد فضائل الصحابة (3/206).
ابو رضوان
09-19-2010, 06:47 PM
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
أول من صلى أبو بكر ثم تمثل بأبيات حسان:
إذا تذكرت شـجواً من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعــلا
خير البـــرية أتقاها وأعدلها
إلا النبي وأوفاها بما حمـــلا
الثاني التالي المحمــود مشهده
وأول الناس صـدق الرسلا([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))
وثاني أثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ صعـد الجبلا
وعاش حميــداً لأمر الله متبعاً
بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا
وكان حب رسـول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))
وبإسلام أبي بكر عمٍّ السرور قلب النبيe حيث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: فلما فرغ من كلامه -أي النبي e- أسلم أبوبكر فانطلق رسول الله e من عنده، ومابين الأخشبين أحد أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)). لقد كان أبوبكر كنزاً من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافاً، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كافٍ لإلفة القوم وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: أرحم أمتي بأمتي أبوبكر ، كما في الحديث الآتي :
(حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة ) أن النبي r قال:أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح .
وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق t النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصدِّيق بأنه أعلمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، ومافيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علماً لا تجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائماً، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته، وطبقة رجال الأعمال، ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق، فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قصاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق ، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))، كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيماً، ولذلك عندما تحرك في دعوته للاسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
`مناقب أبي بكر الصديق t :
ما حاز رجل الفضائل مثل ما حاز أبو بكررضي الله عنه، فقد سبق إلى الإيمان ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه ، واستمر معه فيمكة طول إقامته رغم ما تعرّض له من الأذى ، ورافقه في الهجرة، وهاك غيضاً من فيض ونقطةً من بحر مما ورد في مناقبه t جملةً وتفصيلاً:
×أولاً مناقب أبي بكر جملة ً :
(1) إنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلىالله عليه وسلم بنص السنة الصحيحة :
(2) أبو بكر أول من أظهر الإسلام بعد رسول الله e :
(3) دعوة أبي بكر t :
(4) وهو ثَانِيَاثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ :
(5) وهو أول الخلفاء الراشدينالذي أمرنا النبي r أن نقتدي بهم:
(6) ورع أبي بكرٍ الصديق t:
(7) تفقده لأحوال الناس ومحتاجيهم :
(8) وكان أبو بكر ممن يُـفتي على عهدالنبي صلى الله عليه وسلم:
(9) إنفاق أبي بكر رضي الله عنه ماله كله عند الهجرة:
(10)وأنفق ماله كله لما حث النبي صلى اللهعليه وسلم على النفقة :
(11) ومن مناقبه أنه أحب الناس إلى رسولالله صلى الله عليه وسلم:
(12) ومن مناقبه رضي الله عنه أن النبي صلىالله عليه وسلم اتخذه أخـاً له:
(13) ومن مناقبه رضي الله عنه أن اللهزكّـاه :
(14) ومن مناقبه رضي الله عنه أنه يُدعى منأبواب الجنة كلها :
(15)ومن مناقبه أنه جمع خصال الخير في يومواحد :
(16) ومن مناقبه رضي الله عنه أن وصفه رجلالمشركين بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(17) وجمع بيت أبي بكر وآل أبي بكر منالفضائل الجمة الشيء الكثير الذي لم يجمعه بيت في الإسلام .
(18) غضبه إذا انتهكت حرمات الله تعالى :
(19) حفظ سر النبي e :
(20) الصديق وآية صلاة الجمعة:
(21) رسول الله e ينفي الخيلاء عن أبي بكر :
(22) أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
(23) إكرامه للضيوف :
(24) ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر:
(25) انتصار النبي للصديق رضي الله عنه:
(26) قل: غفر الله لك يا أبا بكر:
(27) مسابقته في الخيرات:
(28) كظمه للغيظ :
(29) بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي:
(30) غيرة الصديق t وتزكية النبي e لزوجه:
(31) خوفه من الله تعالى :
(32) رسوخ إيمانه بالله تعالى :
(33) علمه رضي الله تعالى عنه :
(34) دعاؤه وشدة تضرعه t :
(35) دفاعه عن النبي e:
(36) أنه أول العشرة المبشرين بالجنة وأفضلهم :
(37) ومن أعظم مناقبه t أن أحق الناس بالخلافة بالكتاب والسنة والإجماع :
(38) أعماله العظيمة :
(39) إكرامه لأهل البيت :
×ثانياً مناقب أبي بكر تفصيلا ً :
(1) إنه أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلىالله عليه وسلم بنص السنة الصحيحة :
( حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري ) قال: كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم.
( حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري )قال: كنت جالساً مع النبي e إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي e: (أما صاحبكم فقد غامر)([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6))، فسلم، وقال: يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إلي ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبي علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك ياأبابكر ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي e فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله e يتمعر([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، حتى أشفق أبو بكر([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8)) فجثى على ركبتيه فقال يا رسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9))، فقال النبي e: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبوبكر: صدق، وواساني بنفسه وماله([10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn10))، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها .
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها؛ الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله e ثم أصحابه.......الخ.
([1]) ديوان حسان بن ثابت تحقيق وليد عرفات (1/17).
([2]) ديوان حسان (1/17).
([3]) البداية والنهاية (3/29).
([4]) انظر: التربية القيادية للغضبان (1/115).
([5]) نفس المصدر (1/116).
([6]) غامر: خاصم. أي دخل في غمرة الخصومة.
([7]) يتمعر: تذهب نضارته من الغضب.
([8]) أن يكون لعمر من الرسول مايكره.
([9]) لأنه هو الذي بدأ.
([10]) المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء.
ابو رضوان
09-19-2010, 06:48 PM
(2) أبو بكر أول من أظهر الإسلام بعد رسول الله e :
(حديث بن مسعود رضي الله عنه الثابت في صحيح ابن ماجه ) قال كان أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمسفما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه فيالله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقولأحد أحد .
(3) دعوة أبي بكر t :
قال ابن إِسحاق: فلمَّا أسلم أبو بكر رضي الله عنه وأظهر إِسلامه دعا إلى الله عزّ وجلّ، وكان أبو بكر رجلاً مأْلَفاً لقومه ومحبَّباً سَهْلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر. وكان رجلاً تاجراً ذا خُلُق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعله، وتجارته، وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الله وإلى الإِسلام من وثق به من قومه ممَّن يَغْشاه ويجلس إِليه. فأسلم على يديه فيما بلغني: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الإِسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحقِّ الإِسلام فآمنوا، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإِسلام صدّقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء من عند الله، كذا في البداية .
(4) وهو ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ :
قال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، آية:40).
قال السهيلي :ألا ترى كيف قال : لا تحزن ولم يقل لا تخف ؟ لأن حزنه على رسولالله صلى الله عليه وسلم شغله عن خوفه على نفسه .
( حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) قال:قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما).
ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الغار دخل قبله لينظر في الغارلئلا يُصيب النبي صلى الله عليه وسلم شيء .
ولذا لما ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضّـلوا عمر على أبي بكررضي الله عنهما ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر ، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر ، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر ، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا بكرمالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك . فقال :يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أنيكون بك دوني ؟ قال : نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلا أن تكون بي دونك ، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة ، فدخل واستبرأ ، قم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل . فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر . رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة.
(5) وهو أول الخلفاء الراشدين الذي أمرنا النبي r أن نقتدي بهم: كما في الحديث الآتي :
(حديث العرباض بن سارية في صحيحي أبي داوود والترمذي ) أن النبي r قال : أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة .
واستقر خليفة للمسلمين دون مُنازع ، ولقبه المسلمون بـ " خليفة رسول الله صلىالله عليه وسلم.
( حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي r قال :اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر .
قال لعلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
فقوله e: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الا قتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
(6) ورع أبي بكرٍ الصديق t:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري )، قالت : كان لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهُ ، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ .
وكان أبو بكر يخارجه : يعني يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجاً معيناً، يقول: أئتِ لي كل يوم بكذا وكذا، وما زاد فهو لك.
وهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وأتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم؛ فإن هذا جائز؛ لأن العبيد ملك للسيد، فما حصَّلوه فهو له سواء خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم.
لكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصَّل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، أن يبقى في طلب العلم، أن يبقى مستريحاً في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد.
أما بالنسبة للعمال الذين يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم، فإن هذا حرامٌ وظلم ومخالف لنظام الدولة، والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال؛ لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله، وربما لا يحصل شيئاً أبداً، فكان في هذا ظلم.
أما العبيد فهم عبيد الإنسان، مالهم وما في أيديهم فهو له.
هذا الغلام لأبي بكر، كان أبو بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم، وفي يوم من الأيام قدّم هذا الغلام طعاماً لأبي بكر فأكله فقال: أتدري ما هذا؟ قال : وما هو؟ قال : هذا عوض عن أجرة كهانة تكهنت بها في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، لكنى خدعت الرجل فلقيني فأعطاني إياها.
وعوض الكهانة حرام، سواء كان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أو لا يحسن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن (( حُلوان الكاهن))
كما في الحديث الآتي : ( حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه الثابت في الصحيحين )قال:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن.
([1]) تحفة الاحوذي بشرح الترمذي (10/147).
ابو رضوان
09-19-2010, 06:50 PM
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) أي ما يأخذه على كهانته عن إخباره عن الكائنة المستقبلة بزعمه وهو بضم الحاء وسكون اللام من حلوت الرجل حبوته بشيء أعطيته إياه أو من الحلاوة شبه ما يعطى الكاهن بشيء حلو لأخذه إياه سهلاً بلا كلفة يقال حلوته أطعمته الحلو والنهي يشمل الآخذ والمعطي وفي الأحكام السلطانية ينهى المحتسب من يتكسب بالكهانة واللهو ويؤدَّب عليه الآخذ والمعطي .
فلما قال لأبي بكر هذه المقالة، أدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كلّ ما أكل ، كل ما أكل قاءه وأخرجه من بطنه لماذا؟ لئلا يتغذى بطنه بحرام. وهذا مال حرام؛ لأنه عوض عن حرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)).
فالأجرة على فعل الحرام حرام، ومن ذلك تأجير بعض الناس دكاكينهم على الحلاقين الذين يحلقون اللحى، فإن هذه الأجرة حرام ولا تحل لصاحب الدكان؛ لأنه استؤجر منه لعمل محرم.
ومن ذلك أيضاً تأجير البنوك في المحلات، فإن تأجير البنوك حرام؛ لأن البنك معاملته كلها أو غالبها حرام، وإذا وجد فيه معاملة حلال؛ فهي خلاف الأصل الذي من أجله أنشأ هذا البنك، الأصل في إنشاء البنوك أنها للربا، فإذا أجرَّ الإنسان بيته أو دكانه للبنك فتعامل فيه بالربا فإن الأجرة حرامٌ ولا تحل لصاحب البيت أو صاحب الدكان.
وكذلك من أجَّر شخصاً يبيع المجلات الخليعة أو المفسدة في الأفكار الرديئة ومصادمة الشرع؛ فإنه لا يجوز تأجير المجلات لمن يبيع هذه المحلات؛ لأن الله تعالى قال ( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ )(المائدة:2) ، وتأجير المحلات لهؤلاء معونة لهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)).
وفي هذا الحديث دليلٌ على شدة ورع أبي بكر رضي الله عنه، فهو جدير بهذا؛ لأنه الخليفة الأول على هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة إن أبا بكر رضي الله عنه أفضل هذه الأمة؛ لأنه الخليفة الأول.
لقد ضرب أبي بكر t أروع المثل في تحرى الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى، ولا يَخفَى أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، كما في الحديث الآتي :
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الثابت في صحيح مسلم ) أنالنبي r قال :(إنّ الله طَيّبٌ ولاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيّباً، وَإِنّ الله أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، قال تعالى:(يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)وَقالَ تعالى : (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) ثم َذَكَرَ الرّجُلَ يُطِيلُ السّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدّ يَدَيه إلَى السّمَاءِ يارب يارب وَمَطْعَمُهُ حَرَامُ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَانّى يُسْتَجَابُ له.
×ورع أبي بكر في مال المسلمين :
رد أبي بكر الصديق رضي الله عنه المال قصة ردِّه رضي الله عنه وظيفته من بيت المال
أخرج البيهقي عن الحسن أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ أكيسَ الكَيْس التقوى ـ فذكر الحديث، وفيه: فلما أصبح غدا إِلى السوق فقال له عمر رضي الله عنه: أين تريد؟ قال: السوق، قال: قد جاءك ما يشغلك عن السوق، قال: سبحان الله، يشغلني عن عيالي قال: نفرض بالمعروف؛ قال: ويحَ عمر إِني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئاً. قال: فأنفقَ في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم، فلما حضره الموت قال: قد كنت قلت لعمر: إني أخاف أن لا يسعَني أن آكل من هذا المال شيئاً، فغلبني؛ فإذا أنا متُّ فخذوا من مالي ثمانية آلاف درهم وردوها في بيت المال قال: فلما أُتي بها عمر قال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده تعباً شديداً.
×ما وقع بينه وبين أم المؤمنين عائشة في هذا الأمر :
وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: جاءت عائشة رضي الله عنها إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو يعالج ما يعالج الميت ونَفَسُه في صدره، فتمثَّلَتْ هذا البيت:
لعمرُك ما يغني الثراءُ عنِ الفتى إذا حَشْرجَتْ يوماً وضاق بها الصدر ، فنظر إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذاك يا أم المؤمنين ولكن {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } (ق: 19)، إنِّي قد كنت نحلتك حائطاً، وإِن في نفسي منه شيئاً، فردِّيه إلى الميراث. قالت: نعم، فرددته؛ فقال: أما إنَّا منذ وُلِّينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنَّا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فَيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجَرْد هذه القطيفة؛ فإذا متُّ فابعثي بهنَّ إِلى عمر وابرئي منهن، ففعلت. فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله، أبا بكر، لقد أتعب من بعده رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده يا غلام إرفعهنَّ. فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: سبحان الله، تسلُب عيال أبي بكر عبداً حبشياً وبعيراً ناضحاً وجَرْدَ قطيفة ثمنَ خمسة الدراهم؟ قال: فما تأمر؟ قال: تردهنَّ على عياله، فقال: لا والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ـ أو كما حلف ـ لا يكون هذا في ولايتي أبداً، ولا خرج أبو بكر منهنَّ عند الموت وأردهن (أنا) على عياله الموت أقرب من ذلك.
(7) تفقده لأحوال الناس ومحتاجيهم :
أخرج الخطيب عن أبي صالح الغِفاري أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في حواشي المدينة من الليل، فيستسقي لها ويقوم بأمرها، وكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت. فجاءها غير مرّة فلا يُسبق إليها، فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ الذي يأتيها وهو خليفة. فقال لعمر: أنت لعمري كذا في منتخب الكنز .
(8) وكان أبو بكر ممن يُـفتي على عهدالنبي صلى الله عليه وسلم:
ولذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلمأميراً على الحج في الحجّة التي قبل حجة الوداع
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة، في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله r عليا، فأمره أن يؤذن بـ "براءة". قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان .
(9) إنفاق أبي بكر رضي الله عنه ماله كله عند الهجرة:
أخرج ابن إسحاق عن أسماء رضي الله عنها قالت: لمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه إحتمل أبو بكر مالَه كله معه ـ خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم ـ، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدِّي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأُراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت، إِنه قد ترك لنا خيراً كثيراً. قالت: وأخذت أحجاراً فوضعتها في كوّة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحْسَن، وفي هذا بَلاغٌ لكم؛ ولا ـ والله ـ ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أُسَكِّن الشيخ بذلك، كذا في البداية . وأخرجه أحمد والطبراني بنحوه. قال الهيثمي : رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع. انتهى.
(10)وأنفق ماله كله لما حث النبي صلى اللهعليه وسلم على النفقة :
علم النبي r أصحابه كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وقد ضرب أبو بكر أروع المثل في ذلك يوم أنفق ماله كله .
( حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي ) قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق ، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، فجئت بنصف مالي ، فقال [ لي ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" ما أبقيت لأهلك ؟ "" فقلت: مثله ، قال: وأتى أبو بكر [ رضي الله عنه ] بكل ما عنده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" ما أبقيت لأهلك ؟ "" قال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا .
قال صاحب تحفة الأحوذي :
قَوْلُهُ: ( أَنْ نَتَصَدَّقَ ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ
( وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا ) أَيْ: صَادَفَ أَمْرُهُ بالتَّصَدُّقِ حُصُولَ مَالٍ عِنْدِي، فَعِنْدِي حَالٌ مِنْ مَالٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِمَّا قَبْلَهُ يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَالٌ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ
( الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ من مناقبه ) أَيْ: بِالْمُبَارَزَةِ، أَوْ بِالْمُبَالَغَةِ
( إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا ) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَوَابِهَا مَا قَبْلَهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَهَذَا يَوْمُهُ، وَقِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ: مَا سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( قَالَ ) أَيْ: عُمَرُ ( قُلْتُ مِثْلَهُ ) أَيْ: أَبْقَيْتُ مِثْلَهُ يَعْنِي نِصْفَ مَالِهِ
( بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ ( اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) مَفْعُولُ: أَبْقَيْتُ أَيْ: رِضَاهُمَا
(لا أسابقك إلى شىء أبدا) أَيْ: مِنَ الْفَضَائِلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُغَالَبَتِهِ حِينَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَقِلَّةِ مَالِ أَبِي بَكْرٍ فَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْبِقَهُ.أهـ
كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق t أفضل منه لأنه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر إلى غيره([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
([1]) التاريخ الاسلامي للحميدي (19/13).
([2]) الفتاوى لابن تيمية (10/72،73).
ابو رضوان
09-19-2010, 06:52 PM
(11) ومن مناقبه أنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين )أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة). فقلت: من الرجال؟ فقال: (أبوها). قلت: ثم من؟ قال: (عمر بن الخطاب). فعد رجالا.
(12) ومن مناقبه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذه أخـاً له:
( حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري ) قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله). فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر .
(13) ومن مناقبه رضي الله عنه أن الله زكّـاه :
أنزل الله تعالى في شأن الصديق قرآناً يتلى الى يوم القيامة قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى`وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى`فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى`وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى`
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى`فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى`وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى`إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى`وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى`فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى`لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى`الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى`وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى`الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى`وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى`إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى`وَلَسَوْفَ يَرْضَى`}([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)) (سورة الليل، الآيات: 5-21).
لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقاً لماله فيما يرضي الله ورسوله.وهو من السابقين الأولين بل هو أول السابقين :
قال تعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [ التوبة : 100
قد زكّـاه النبي صلى الله عليه وسلم:
(حديث ابن عمر في الصحيحين ) أن النبي r قال : من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر : يا رسول اللّه إن أحد شِقَي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال له : إنك لست تصنع ذلك خُيلاء .
(14) ومن مناقبه رضي الله عنه أنه يُدعى من أبواب الجنة كلها :
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين )أن النبي r قال :من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟. قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم .
15) ومن مناقبه أنه جمع خصال الخير في يوم واحد :
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم )أن النبي r قال :من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله e: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة .
(16) ومن مناقبه رضي الله عنه أن وصفه رجل من المشركين بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري ) قالت : لما ابتلي المسلمون في مكة واشتدالبلاء خرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارَة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي . قال ابن الدغنة : إنمثلك لا يخرج ولا يخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم : إن أبا بكرلا يَخرج مثله ولا يُخرج ،أتُخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟!
فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة : مُر أبابكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ،فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبوبكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك فَسَلْهُ أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ،ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان .
قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له قال أبو بكر : إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله . رواه البخاري .
................
([1]) تفسير الآلوسي (30/152).
ابو رضوان
09-19-2010, 06:53 PM
15) ومن مناقبه أنه جمع خصال الخير في يوم واحد :
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم )أن النبي r قال :من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله e: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة .
(16) ومن مناقبه رضي الله عنه أن وصفه رجل من المشركين بمثل ما وصفت خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري ) قالت : لما ابتلي المسلمون في مكة واشتدالبلاء خرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارَة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي . قال ابن الدغنة : إنمثلك لا يخرج ولا يخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم : إن أبا بكرلا يَخرج مثله ولا يُخرج ،أتُخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟!
فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة : مُر أبابكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ،فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبوبكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك فَسَلْهُ أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ،ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان .
قالت عائشة فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له قال أبو بكر : إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله . رواه البخاري .
ابو رضوان
09-19-2010, 06:55 PM
17) وجمع بيت أبي بكر وآل أبي بكر من الفضائل الجمة الشيء الكثير الذي لم يجمعه بيت في الإسلام .
فقد كان بيت أبي بكر رضي الله عنه في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في الاستعداد للهجرة ، وما فعله عبدالله بن أبي بكر وأخته أسماء في نقل الطعام والأخبار لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار
وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هي بنت أبي بكر رضي الله عنه وعنها
قال ابن الجوزي رحمه الله:
أربعة تناسلوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم :أبو قحافة وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن وابنه محمد
(18) غضبه إذا انتهكت حرمات الله تعالى :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
×موقفه من فنحاص الحبر اليهودي:
ذكر غير واحد من كتّاب السيّر والمفسرين أن أبابكر t دخل بيت المدارس([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، على يهود، فوجد منهم ناساً قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له أشيع([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن محمداً لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنياً ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا فغضب أبوبكر، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك، أي عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله e، فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله e لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص رداً عليه، وتصديقاً لأبي بكر: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (سورة آل عمران، الآية: 181).
ونزل في أبي بكر الصديق t، وما بلغه في ذلك من الغضب([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) قوله تعالى {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (سورة آل عمران، الآية:186).
(19) حفظ سر النبي e :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
( حديث ا بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري ) يحدث: أن عمر بن الخطاب، حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ، فتوفي بالمدينة، فقال عمر ابن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي، إلا أني كنت علمت أن رسول الله قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ، ولو تركها رسول الله قبلتها.
(20) الصديق وآية صلاة الجمعة:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
( حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين ) قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبلت عير تحمل طعاما، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}.(سورة الجمعة، الآية 11) أهـ
وقال: في الإثنىعشر الذين ثبتوا مع رسول الله e أبوبكر وعمر([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
(21) رسول الله e ينفي الخيلاء عن أبي بكر :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
(حديث ابن عمر في الصحيحين ) أن النبي r قال : من جر ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامةفقال أبو بكر : يا رسول اللّه إن أحد شِقَي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال له : إنك لست تصنع ذلك خُيلاء .
(22) أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر : أمزامير الشيطان في بيت رسول الله r وذلك في يوم عيد ؟ فقال رسول الله r يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا .
ففي الحديث بيان : أن هذا لم يكن من عادة النبي e وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي e أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة .
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في السلسلة الصحيحة ) أن النبي r قال:لتعلم يهود أن في ديننا فسحة , إني أرسلت بحنيفية سمحة "
وكان لعائشة لُعَب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي e استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)). ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب في الأعياد، كالجاريتين الصغيرتين من الأنصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
([1]) الإحسان في تقريب صحيح بن حيان (15/300)؛ مسلم رقم 863.
([2]) نفس المصدر (30/118).
([3]) المصدر السابق (30/118).
([1]) مكان يتلى فيه التوارة.
([2]) السيرة النبوية لابن هشام (1/558-559).
([3]) تفسير القرطبي (4/295).
ابو رضوان
09-19-2010, 06:57 PM
ومن مظاهر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أيضاً الحديث الآتي :
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين )أن فاطمة عليها السلام، ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يقسم لها ميراثها، ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا نورث، ما تركنا صدقة).فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر،فلم تزل مهاجرته حتى توفيت .
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين )قالت: إن أزواج النبي e، حين توفى رسول الله e، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان t إلى أبي بكر، يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله e: لا نورث ماتركنا صدقة .
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين )أن النبي r قال :لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة .
وهذا ما فعله أبو بكر الصديق t مع فاطمة رضي الله عنها امتثالا لقوله e لذلك قال الصديق: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله يعمل به إلا عملت به([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، وقال: والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله e يصنعه فيه إلا صنعته([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
وقد تركت فاطمة رضي الله عنها منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها وفيه دليل على قبولها الحق واذعانها لقوله e:
قال ابن قتيبة([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))، وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما في ميراث النبي e فليس بمنكر، لأنها لم تعلم ما قاله رسول الله e وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم فلما أخبرها بقوله كفت([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
وقال القاضي عياض: وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم للإجماع على قضية، وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث ثم ولي علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
وقال حماد بن إسحاق : والذي جاءت به الروايات الصحيحة فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي e من أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً إنما هو الميراث حتى أخبرهم أبو بكر والأكابر من أصحاب رسول الله e أنه قال: (لانورث ماتركنا صدقة) فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق ولو لم يقل رسول الله e ذلك كان لأبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصة رضي الله عنهما فآثروا أمر الله وأمر رسوله، ومنعوا عائشة وحفصة، ومن سواهما ذلك، ولو كان رسول، يورث، لكان لأبي بكر وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد e([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
وأما ما ذكره من الرواة في كون فاطمة رضي الله عنها غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت فبعيد جداً لعدة أدلة منها:
أ-مارواه البيهقي من طريق الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له قال: نعم فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، وبهذا يزول الإشكال الوارد في تمادي فاطمة رضي الله عنها لهجر أبي بكر الصديق t، كيف وهو القائل: والله لقرابة رسول الله e، أحب إليّ أن أصل من قرابتي([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8))، ومافعل t إلا امتثالاً وإتباعاً لأمر رسول الله e([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9)).
ب-لقد انشغلت عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزري بكل المصائب، كما أنها انشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون، فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول -لكل لحظة من لحظاته- بشؤون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله e بأنها أول من يلحق به من أهله -ومن كان في مثل علمها لايخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العيني: ولم يرو أحد، أنهما ألتقيا وامتنعا عن التسليم، وإنما لازمت بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران([10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn10)).
هذا ومن الثابت تاريخياً أن أبابكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله e في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملاً بما سمعه من رسول الله e وقد روي عن محمد بن علي بن الحسين المشهور بمحمد الباقر، وعن زيد بن علي أنهما قالا: إنه لم يكن من أبي بكر -فيما يختص بآبائهم- شيء من الجور أو الشطط، أو مايشكونه من الحيف أو الظلم([11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn11)).
ولما توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله e بستة أشهر على الأشهر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقاً به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة([12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn12))، وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء، فحضرها أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وعبدالرحمن بن عوف، فلما وُضِعت ليُصلى عليها، قال علي: تقدم ياأبابكر، قال أبوبكر: وأنت شاهد ياأبا الحسن؟ قال: نعم تقدم، فوالله لا يصلي عليها غيرك؛ فصلى عليها أبوبكر ودفنت ليلاً، وجاء في رواية: صلى أبوبكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله e فكبر عليها أربعاً([13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn13)) وفي رواية مسلم صلى عليها علي بن أبي طالب([14] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn14)).
هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله e بأعضاء أهل البيت، صلة ودية تقديرية تليق به وبهم، وقد كانت هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي، فقد سمَّى علي أحد أولاده بأبي بكر([15] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn15))، وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمداً بعد وفاة الصديق وكفله بالرعاية ورشحه للولاية في خلافته حتى حسب عليه، وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله([16] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn16)).
([1]) مسلم رقم 1758.
([2]) البخاري رقم 6726.
([3]) عبدالله بن مسلم بن قتيبة ت 276هـ (شذرات الذهب (2/169).
([4]) تأويل مختلف الحديث، ص189.
([5]) شرح صحيح مسلم للنووي (12/318).
([6]) البداية والنهاية (5/252-253) وقال إسناده جيد قوي.
([7]) اباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، ص109.
([8]) البخاري رقم 4036.
([9]) العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط، د.سالم السحيمي ، ص291.
([10]) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، ص108.
([11]) المرتضى لأبي الحسن الندوي، ص90،91 نقلاً عن نهج البلاغة شرح أبي الحديد.
([12]) المرتضى للندوي، ص94.
([13]) المرتضى للندوي، ص94 نقلاً عن الطبقات الكبرى (7/29).
([14]) مسلم رقم 1759.
([15]) المرتضى للندوي، ص98.
([16]) نفس المصدر، ص98.
ابو رضوان
09-19-2010, 06:59 PM
(23) إكرامه للضيوف :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ ــ
( حديث عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين ) : رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله قالت له امرأته ما حبسك عن أضيافك أو قالت ضيفك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليهم فغلبوهم قال فذهبت أنا فاختبأت وقال يا غنثر([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)) - فجدع وسب وقال كلوا لا هنيئا وقال والله لا أطعمه أبدا قال فأيم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها قال حتى شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر قال لامرأته يا أخت بني فراس ما هذا قالت لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار قال فأكل منها أبو بكر وقال إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده قال وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل فعرفنا اثنا عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل إلا أنه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون ([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
(24) ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري ) قالت : خرجنا مع رسول الله e في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش- انقطع عقد لي فأقام رسول الله e على التماسه، وأقام الناس معه، وليس على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبابكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله e وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله e واضع رأسه على فَخِذِي قد نام فقال: حِبَستٍ رسول الله e والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قلت: فعاتبين وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله e على فخذي فنام رسول الله e حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم:{....فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (سورة النساء، الآية43)فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته .
وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن يضايقه شيئاً ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم الى رسول الله e، كعائشة رضي الله عنهم، فقد كان t قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي e ومع نفسه ومع المسلمين([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
(25) انتصار النبي للصديق رضي الله عنه:
([1]) غنثر: الثقيل الوخيم وقيل الجاهل.
([2]) مسلم، كتاب الأشربة رقم 2057.
([3]) تاريخ الدعوة الاسلامية، ص402،403.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:03 PM
(25) انتصار النبي للصديق رضي الله عنه:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي e كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته،
( حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري )قال: كنت جالساً مع النبي e إذ أقبل ابوبكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي e: (أما صاحبكم فقد غامر)([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، فسلم، وقال: يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إلي ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبي علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك ياأبابكر ثلاثاً. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثم أبوبكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي e فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله e يتمعر([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، حتى أشفق أبوبكر([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) فجثى على ركبتيه فقال يارسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))، فقال النبي e: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبوبكر: صدق، وواساني بنفسه وماله([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها .
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها؛ الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله e ثم أصحابه.......الخ.
(26) قل: غفر الله لك يا أبا بكر:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ
(حديث ربيعة الأسلمي رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة ) قال : كنت أخدم النبي e ...وذكر حديثاً ثم قال: إن رسول الله e أعطاني بعد ذلك أرضا وأعطى أبوكر أرضاً وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدِّي، وقال أبوكر، هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها وندم فقال لي: يا ربيعة رد عليها مثلها حتى تكون قصاصاً، قال: قلت: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله e، فقلت: ما أنا بفاعل، قال: ورفض الأرض([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6))، وأنطلق أبو بكر t إلى النبي e، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله e وهو قد قال لك ما قال، قلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني أثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله e فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة، قال: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبو بكر t إلى رسول الله e فتبعته وحدي حتى أتى النبي e فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليّ رأسه فقال: يا ربيعة ما لك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله كان كذا كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت، فقال رسول الله e: أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. قال الحسن (البصري): فولىَّ أبو بكر t وهو يبكي .
([1]) غامر: خاصم. أي دخل في غمرة الخصومة.
([2]) يتمعر: تذهب نضارته من الغضب.
([3]) أن يكون لعمر من الرسول مايكره.
([4]) لأنه هو الذي بدأ.
([5]) المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء.
([6]) أي فارق أبوبكر الأرض.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:04 PM
تنبيه{ :× لله درُّ أبي بكر ٍ الصديق رضي الله تعالى عنه : أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس، بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترض إلا اقتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيا بالفضيلة، واستمساكاً بالأدب وشعوراً تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة ألما يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه) .
كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة مَوجعاً..فإذا أبو بكر يُزَلزلُ من أجلها، ويأبى إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الإسلام بعد رسول الله e، وهي كلمة لا يمكن أن تكون من فُحش القول أبداً: لأن أخلاقه لم تسمع بهذا، ولم يؤثر عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة، ولهذا اشتكى لرسول الله ، وهذا أمر عجيب فإن أبا بكر قد نسى أرضه ونسى قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة لأن حقوق العباد لابد فيها من عفو صاحب الحق([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وفي هذا درس للشيوخ والعلماء والحكام والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها بالأرجل.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول الله e وهو الذي قال ما قال، ولم يعلموا ما علمه أبو بكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ما قد يعلق في القلوب من الوجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة.
وبالرغم مما ظهر من رضي ربيعة وتوجيه النبي e الى عدم الرد على أبي بكر فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى، وهذا دليل على قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.
وأخيراً موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي t، حيث قام بإجلال أبي بكر t، وأبى أن يرد عليه بالمثل، وهذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
(27) مسابقته في الخيرات:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
اتصف الصديق t بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصاً أشد الحرص على الخيرات، فقد أيقن أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم، قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ولذلك كان من المسارعين في الخيرات،
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم ) أن النبي r قال :من أصبح منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله e: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة .
([1]) خلفاء الرسول، خالد محمد خالد، ص103.
([2]) التاريخ الاسلامي (19/16).
([3]) نفس المصدر (19/16
ابو رضوان
09-19-2010, 07:05 PM
(28) كظمه للغيظ :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في السلسلة الصحيحة )أن رجلاً شتم أبابكر، ورسول الله e جالس، فجعل النبي e يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل، رد عليه أبوبكر بعض قوله، فغضب النبي e، وقام فلحقه أبوبكر، وقال: يارسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال: يا أبا بكر ثلاث كلهنّ حق: ما من عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
إن الصديق t اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ما ظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغبه النبي e في الحلم والأناة، وأرشده الى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويحمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق t على عدم إغضاب النبي e والمسارعة إلى إرضائه وفي الحديث ذم الغضب للنفس، والنهي عنه، والتحذير منه، واعتزال الأنبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم، الصابر، المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكاً بالحلم، وكظم الغيظ، حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب، والرفق، وهذا لا يعني أن أبا بكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضباً شديداً([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
(29) بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
كان أبو بكر t يَعُول مِسْطَحَ ابن أُثَاثَة، فلما قال في عائشة رضي الله عنها ما قال، في حديث الإفك المشهور - أقسم بالله أبو بكر ألا ينفعه أبداً، فلما أنزل الله عز وجل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة النور، الآية22). قال أبو بكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع الى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً .
( حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري ) قالت : قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة النور، الآية22). قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا .
*لقد فهم الصدِّيق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل، فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال:{ أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) وكما أن في الآية من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وكفّر عن يمينه، وقال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
لقد دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس بعد النبي e، لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دالة على علو شأنه في الدين، أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} منها أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه t، كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق.ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه أولوا الفضل والسعة بالجمع لا بالواحد وبالعموم لابالخصوص على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خالياً عن المعصية لأن الممدوح إلى هذا الحد لايكون من أهل النار([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
([1]) الدر المنثور للسيوطي (2/74؛ مجمع الزوائد (8/190) حديث مرسل.
([2]) سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، ص145.
([3]) تفسير المنير (18/190).
([4]) نفس المصدر (18/190).
([5]) تفسير الرازي (18/351)
ابو رضوان
09-19-2010, 07:06 PM
(30) غيرة الصديق t وتزكية النبي e لزوجه:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
( حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الثابت في صحيح مسلم ) أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لم أر إلا خيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان .
(31) خوفه من الله تعالى :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
إن الخوف من الله عزوجل فضيلة تدفع العبد إلى الحذر من المعاصي، ومراقبة الله تعالى في السر والعلن، فتزكو أفعاله، وتجمل أعماله وقد أمر المؤمنين بالخوف منه فقال: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(سورة البقرة، آية:40). وقال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (سورة هود، آية:112). وجعل للعبد الخائف منه أجراً عظيماً فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (سورة الرحمن، آية:46).
والسنة الصحيحة طافحة بوجوب الخوف من الله تعالى منها ما يلي :
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا). قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين .
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنّ سِلْعَةَ الله الْجَنّةُ».
( حديث جابر رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع ) أن النبي r قال:مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى و جبريل كالحِلْسِ البَالِي من خشية الله تعالى .
( حديث شداد بن أوس رضي الله عنه الثابت في صحيح الجامع ) أن النبي r قال:قال الله تعالى: و عزتي و جلالي لا أجمع لعبدي أمنين و لا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمعُ عبادي و إن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمعُ عبادي .
وقد كان الصديق t على جانب من الخوف والرجاء عظيم جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكماً أو محكوماً قائداً أو جندياً، يريد النجاح والفلاح في الآخرة([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))،
فعن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي e من أبي بكر.
وعن قيس قال: رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))،
وقد قال أبو بكر t: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))
وعن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولاعضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))،
وعن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))،
وقال أبو بكر: لوددت أني كنت شعرة في جنب عبد مؤمن([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6))، وكان رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر:
لا تزال تنعي حبيباً حتى تكونه
وقد يرجوا الرجا يموت دونه([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))
([1]) تاريخ الدعوة الى الاسلام، يسري محمد ، ص396.
([2]) صفة الصفوة (2/253).
([3]) الزهد، للامام أحمد، باب زهد أبي بكر، ص108.
([4]) الزهد للامام أحمد، باب زهد أبي بكر، ص110.
([5]) نفس المصدر، ص112.
([6]) المصدر السابق، ص112.
([7]) الزهد للامام أحمد، باب زهد أبي بكر، ص108.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:08 PM
وأخرج ابن أبي شيبة، وهنَّاد، والبيهقي عن الضحاك قال: رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه طيراً واقفاً على شجرة فقال: طوبى لكَ يا طير والله لوددتُ أني كنت مثلك، تقع على الشجر، وتأكل من الثمر، ثم تطير وليس عليك حساب ولا عذاب والله لوددت أنِّي كنت شجرة إلى جانب الطريق مرّ عليَّ جمل فأخذني، فأدخلني فاه، فلاكني ثم ازدردني، ثم أخرجني بعراً ولم أكُ بشراً. وعند ابن فَتْحَويه في الوَجَل عن الضحَّاك بن مزاحم قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ ونظر إلى عصفور ـ: طوبى لك يا عصفور تأكل من الثمار، وتطير في الأشجار، لا حساب عليك ولا عذاب والله لوددتُ أني كبش يسمِّنني أهلي، فإذا كنت أعظم ما كنت وأسمنه يذبحوني، فيجعلون بعضي شواء، وبعضي قديداً، ثم أكلوني، ثم ألقوني عَذِرَةً في الحش، وأني لم أكن خُلقت بشراً. وعند أحمد في الزهد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. كذا في منتخب الكنز .
(32) رسوخ إيمانه بالله تعالى :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ ــ
كان إيمان الصديق بالله عظيماً، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلة كلمة التوحيد في نفسه وقلبه وانعكست آثارها على جوارحه وعاش بتلك الآثار في حياته، فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه e وكان إيمانه بالله تعالى باعثاً له على الحركة والهمة والنشاط والسعي، والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية، والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لا يساويه فيه أحد من الصحابة .
قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح،كما في الحديث الآتي :
( حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي ) أن النبي rذات يوم: "" من رأى منكم رؤيا ؟ "" فقال رجل: أنا ، رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر ، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ، ثم رفع الميزان ، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: (بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث). فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم، فقال: (فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر - وما هما ثم - وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب هذا: استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري). فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم، قال: (فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر). وما هما ثم.
ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه وإخلاصه للإسلام أحبه النبي e، وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند النبي e على غيره من الصحابة كما في الحديث الآتي :
( حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ): أن النبي e بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت من الرجال؟ قال: أبوها. قلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب فعد رجالاً .
([1]) فضائل الصحابة للامام أحمد (1/173).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:09 PM
وبسبب هذا الإيمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة وأنه يدعى من جميع أبوابها،
( حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي ) أن النبي rقال : أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة .
(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) أن النبي r قال :من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟. قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم .
`ومما يدل على رسوخ إيمانه موقفة عندما مات النبي r :
فارق رسول الله الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته ديناراً ولادرهماً، ولاعبداً، ولا أمة، ولاشيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضا جعلها صدقة([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)) وتوفي e ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ للهجرة بعد الزوال([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))، وله ثلاث وستون سنة([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))، وكان أشد الأيام سواداً ووحشة ومصاباً على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولدته أسعد يوم طلعت فيه الشمس([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، يقول أنس t: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله e المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)) وبكت أم أيمن فقيل لها مايبكيك على النبي قالت: إني قد علمت أن رسول الله e سيموت ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7)).
([1]) البخاري، كتاب المغازي رقم 4461.
([2]) السيرة النبوية للندوي، ص403.
([3]) البداية والنهاية (4/223).
([4]) مسلم، كتاب الفضائل (4/825).
([5]) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص404.
([6]) الترمذي (5/549) رقم 3618.
([7]) مسلم (4/1907).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:10 PM
هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ
قال ابن رجب رحمه الله :
ولما توفي رسول الله e اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من أعتُقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
والمصيبة برسول الله e من أعظم المصائب المصيبة في الدين بنص السنة الصحيحة :
( حديث ابن عباس رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع ) أن النبي r قال: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب .
وصدق رسول الله e، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
وقال ابن اسحاق: ولما توفي رسول الله e عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغني تقول: لما توفي النبي e ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية، والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ... واضطربت الحال .. فكان موت النبي e قاصمة الظهر، ومصيبة العمر، فأما علي فاستخفى في بيت فاطمة، وأما عثمان فسكت، وأما عمر فأهجر وقال: ما مات رسول الله وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))
واسمع إلى الحديث الآتي لتعلم مدى ثبات أبي بكرٍ في الشدائد ورسوخ إيمانه وفضله على سائر الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين :
(حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) أن رسول الله r مات وأبو بكرٍ بالسُّنحِ فقام عمر يقول : والله ما مات رسول الله r ، وقال عمر ـ والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك ـ وليبعثنه الله فليقطعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم ، فجاء أبو بكرٍ فكشف عن رسول الله r فقبَّله فقال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً ثم خرج فقال : أيها الحالف على رَسْلِك ، فلما تكلم جلس عمر ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال : ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت وقال: (إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ) وقال: (وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ)
وبهذه الكلمات القلائل، واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعاً جميلاً، فالله هو الحي وحده الذي لايموت، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وأن الإسلام باق بعد موت محمد e([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، كما جاء في رواية من قول الصديق: إن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين اظهرنا، وهو النور والشفاء وبه هدا الله محمد e وفيه حلال الله وحرامه، والله لانبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ماوضعناها بعد، ولنجاهدنَّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله فلا يبغين أحد إلا على نفسه([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
كان موت محمد e مصيبة عظيمة، ابتلاءاً شديداً، ومن خلاها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة فذ لا نظير له ولامثيل([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ الحقائق فيه فعرف حقيقة العبودية، والنبوة، والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته t، فانحاز بالناس إلى التوحيد (من كان يعبد الله فإن الله حي لايموت) ومازال التوحيد في قلوبهم غضاً طرياً، فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8)) تقول عائشة رضي الله عنها فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر t فتلقاها منه الناس، فما يسمع بشر إلا يتلوها([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9)).
([1]) لطائف المعارف، ص114.
([2]) تفسير القرطبي (2/176).
([3]) ابن هشام (4/323).
([4]) القواصم من العواصم، ص38.
([5]) استخلاف ابوبكر الصديق، جمال عبدالهادي، ص160.
([6]) دلائل النبوة للبيهقي (7/218).
([7]) أبوبكر رجل الدولة، مجدي حمدي، ص25،26.
([8]) استخلاف ابوبكر الصديق، ص160.
([9]) البخاري، كتاب الجنائز رقم 1241، 1242.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:11 PM
(33) علمه رضي الله تعالى عنه :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يُسَلمنو بذلك وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة :
( حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري ) قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله). فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر .
وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي e، فقد كان أدوم اجتماعاً به ليلاً ونهاراً، وسفراً وحضراً، وكان يسمر عند النبي e بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين، دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))، وقد استعمله النبي e على أول حجة حجت من مدينة النبي e وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روى فيها([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)) وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصاً، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم، وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيرة مسائل كثيرة([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، وكان t يقضي ويفتي بحضرة النبي e ويقره، لقد تربى الصديق على يدي رسول الله e وحفظ كتاب الله تعالى وعمل به في حياته وتأمل فيه كثيراً وكان لا يتحدث بغير علم، فعندما سئل عن آية لايعرفها أجاب بقوله: أي أرض تسعني أو أي سماء تُظِلنُّي إذا قلت في كتاب الله مالم يُرد الله([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)) ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم قوله: (إن الله ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟! يعني: حسنها، فيقول قائل: لست من هؤلاء، يعني: وهو منهم([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، وكان يسأل رسول الله e فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام، فلما نزل قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} (سورة النساء، الاية:123) قال أبوبكر يارسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: ياأبابكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8)).
(حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في صحيح الترغيب والترهيب ) أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) الآية وكل شيء عملناه جزينا به فقال : غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك اللأواء قال فقلت بلىقال هو ما تجزون به .
وقد فسر الصديق بعض الآيات مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (سورة فصلت، الآية: 30) قال فيها: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ماسواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أنداداً، ولايحبون إلا إياه، لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائناً من كان، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون بقلوبهم الى غيره([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9))، وغير ذلك من الآيات.
([1]) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص59.
([2]) الفتاوى (13/127).
([3]) ابو بكر الصديق، محمد مال الله، ص334،335.
([4]) البخاري رقم 1448.
([5]) أبوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، ص60.
([6]) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص117 هذه الرواية فيها انقطاع.
([7]) الفتاوى لابن تيمية (6/212).
([8]) احمد (1/11) وقال الشيخ شاكر اسانيدها ضعاف. وهو صحيح بطرقه وشواهده. انظر: مسند الامام احمد رقم 68.
([9]) الفتاوى (28/22
ابو رضوان
09-19-2010, 07:12 PM
وكان رضي الله تعالى عنه أعلم الصحابة بالأنساب :
فهو عالم من علماء الأنساب وأخبار العرب، وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين كعقيل بن أبي طالب وغيره، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي: أنه لم يكن يعيب الأنساب، ولايذكر المثالب بخلاف غيره([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما فيها من خير وشر([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، بدلالة الحديث الآتي :
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم )أن النبي r قال : إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها .
ومع كونه t من أعلم الصحابة إلا أنه من أبعد الناس عن التكلف، فعن ابراهيم النخعي قال: قرأ أبو بكر الصديق {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (سورة عبس: آية31) فقيل ماالأب: فقيل كذا وكذا فقال أبو بكر: إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
(34) دعاؤه وشدة تضرعه t :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
إن الدعاء باب عظيم، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات وانهالت عليه البركات، ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء، كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصر على الأعداء قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (سورة غافر، آية:60) . وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة، آية:186).
ولقد لازم الصديق رسول الله e ورأى كيف كان رسول الله يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه وقد حرص الصديق على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله، وأن يكون دعاؤه وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله e ويرتضيها، إذ ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح والصلاة على النبي صيغاً أخرى، مهما كانت في ظاهرها حسنة اللفظ، جيدة المعنى، لأن رسول الله e هو معلم الخير، والهادي إلى الصراط المستقيم، وهو أعرف بالأفضل والأكمل([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))،
وكان الصديق رضي الله عنه يسأل النبي r أن يعلمه دعاءاً يدعو به كما في الأحاديث الآتية :
(حديث أبي بكر الصديق الثابت في الصحيحين ) أنه قال لرسول الله r علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم .
ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب، أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضى للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة، والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))
( حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي ) أنه قال: يا رسول الله ، مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت ، وإذا أمسيت قال: "" قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شىء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي ، وشر الشيطان وشركه "" قال: "" قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت ، وإذا أخذت مضجعك .
([1]) التهذيب (2/183).
([2]) الإصابة (4/146).
([3]) فتح الباري (13/285) فيه انقطاع بين ابراهيم النخعي وأبي بكر.
([4]) أبوبكر الصديق، علي طنطاوي، ص207.
([5]) الفتاوى (9/146).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:13 PM
فقد تعلم الصديق من رسول الله e أنه ليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب، بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائماً قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا`لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَوَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا`} (سورة الأحزاب، آية:72-73) فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة، وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم. وثبت في الصحيحين عن النبي e أنه قال:(لن يدخل الجنة أحد بعلمه) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)) وهذا لا ينافي قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (سورة الحاقة، آية:24) فإن الرسول نفيى باء المقابلة والمعادلة والقرآن أثبت باء السبب، وقول من قال: إذا أحب الله عبداً لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبداً ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى شديد التضرع كثير التوجه لله، لا ينفك عن الدعاء في كل أحيانه وقد نقل إلينا بعض أدعيته وتضرعاته ومنها:
أ-أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضى، والخيرة في جميع ما تكون إليه الخَيَرةُ، بجميع ميسور الأمور كلها، لابمعسورها ياكريم([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
ب- وكان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الخير،اللهم اجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلا من جنات النعيم([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)) .
جـ-وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
د-وكان إذا سمع أحداً يمدحه من الناس يقول:(اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم أجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون)([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
(35) دفاعه عن النبي e:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
من صفات الصديق التي تميز بها: الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحداً في الحق، ولاتأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله e .
( حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري )قال:سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم. [ غافر:28] .
وأما في حديث علي بن أبي طالب t فقد قام خطيباً وقال: يا أيها الناس من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين فقال: أما إني مابارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، إنا جعلنا لرسول الله e عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله e لئلا يهوي عليه أحد من المشركين، فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله e، لايهوي إليه أحد إلاّ أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يُحادُه، وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً فوالله مادنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فبكت القوم، فقال عليّ: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7)).
([1]) البخاري في الرقاق رقم 6463.
([2]) الفتاوى (11/142).
([3]) الشكر لابن أبي الدنيا رقم 109 نقلاً عن خطب ابي بكر، ص39.
([4]) خطب أبي بكر الصديق، ص139.
([5]) كنز العمال رقم 5030 نقلاً عن خطب أب بكر ، ص39.
([6]) أسد الغابة (3/324).
([7]) البداية والنهاية (3/271-272).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:14 PM
هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ماتحمله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي t في خلافته أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي t حتى بكى وأبكى.
إن الصديق t أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله، وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا الى الله([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، وكانت الذراع اليمنى لرسول الله e، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم، فهذا ابوذر t يقص لنا حديثه عن إسلامه ففيه: (...فقال أبوبكر: ائذن لي يارسول الله في طعامه الليلة - وأنه أطعمه من زبيب الطائف([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي e قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وانه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم: (ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله؟) فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع)([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
(36) أنه أول العشرة المبشرين بالجنة وأفضلهم :
( حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي ) أن النبي rقال : أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة .
(37) ومن أعظم مناقبه t أن أحق الناس بالخلافة بالكتاب والسنة والإجماع :
`الآيات الدالة على خلافة أبي بكر t:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ
وردت آيات في كتاب الله عزوجل فيها الإشارة إلى أن أبا بكر الصديق t أحق الناس في هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:
أ-قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ`صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ`} (سورة الفاتحة، آية:6-7). ووجه الدلالة أن أبا بكر t فيمن أمر الله -جلا وعلا- عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (سورة النساء، آية:69). وقد أخبر المصطفى e أن أبا بكر t من الصديقين، فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر t ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله في هذه الأمة بخلافة المصطفى e([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
([1]) انظر: ابوبكر الصديق ، محمد عبدالرحمن قاسم، ص29،30،32.
([2]) الفتح (7/213)؛ الخلافة الراشدة، يحيى اليحيى، ص156.
([3]) عبقرية الصديق للعقاد، ص87؛ صديع: المشقوق الثوب.
([4]) عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة، ناصر حسن الشيخ (2/532).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:15 PM
قال محمد بن عمر الرازي: قوله:{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ`صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ`} يدل على إمامة أبي بكر t لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق tفكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالاً لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر t([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
وقال محمد الأمين الشنقيطي : يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق t لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم
-أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين e أن أبا بكر t من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق t على الصراط المستقيم وإن إمامته حق([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
ب-قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة المائدة، آية:54).
هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق t وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه (كان في علم الله سبحانه وتعالى ما يكون بعد وفاة رسول الله e من ارتداد قوم فوعد سبحانه -ووعده صدق- أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه من ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق t بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب، ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسوله e آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق t([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
جـ-قال تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، آية:40).
([1]) تفسير الرازي (1/260).
([2]) أضواء البيان (1/36).
([3]) الاعتقاد للبيهقي، ص173-174.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:16 PM
قال أبو عبدالله القرطبي: قال بعض العلماء في قوله تعالى:{ثاني اثنين إذ هما في الغار} ما يدل على أن الخليفة بعد النبي e أبو بكر الصديق t لأن الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق أن يقال ثاني اثنين لقيامه بعد النبي e بالأمر كقيام النبي e به أولاً، وذلك أن النبي e لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبقى الإسلام إلا بالمدينة وجواثا([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي e فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
}تنبيه{ :×هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر t:
1- أن الكفار أخرجوه :
الكفار أخرجوا الرسول (ثاني أثنين) فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2- أنه صاحبه الوحيد :
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبوبكر، وكان ثاني أثنين الله ثالثهما.
قوله {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ففي المواضع التي لا يكون مع النبي e من أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبوبكر، ومثل خروجه الى قبائل العرب يدعوهم الى الإسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبوبكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي e .
3- أنه صاحبه في الغار :
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن والسنة الصحيحة :
( حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين)أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي e وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي e: (ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما) .
وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
4- أنه صاحبه المطلق :
قوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} لايختص بمصحابته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة كما لم يشركه فيه غيره -فصار مختصاً بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي e ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
([1]) جواثا: قرية بالبحرين.انظر: معجم البلدان (2/174).
([2]) تفسير القرطبي (8/147-148).
([3]) منهاج السنّة (4/240،241).
([4]) منهاج السنّة (4/252،245).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:17 PM
5- أنه المشفق عليه :
قوله {لا تَحْزَنْ} يدل على أن صاحبه كان مشفقاً عليه محباً له ناصراً له حيث حزن ، وإنما بحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي e لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي e عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، وفي رواية أحمد في كتاب فضائل الصحابة: ...فجعل أبوبكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي e مالك؟ قال: يارسول الله أخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا الى الغار قال أبوبكر: يارسول الله كما أنت حتى أيمه...فلما رأى أبوبكر حجراً في الغار فألقمها قدمه، وقال يارسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)). فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله e وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
6- المشارك له في معية الاختصاص :
قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} صريح في مشاركة الصديق للنبي e في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم - فيكون النبي e قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبابكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة كما قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (سورة غافر، الآية 51). وهذا غاية المدح لأبي بكر؛ إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالايمان المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
وقال الدكتور عبدالكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه مكفولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال تعالى {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...} (سورة التوبة، الآية 40) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها. وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس. وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
ح- قال تعالى : {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة، آية:100) الآية
ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي eأن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلاشك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله e فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7)).
([1]) ابوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، ص43.
([2]) منهاج السنّة (4/262،263).
([3]) نفس المصدر (4/263).
([4]) منهاج السنّة (4/242،243).
([5]) المستفاد من قصص القرآن (2/100).
([6]) منهاج السنّة (4/272).
([7]) تفسير الرازي (16/168-169).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:19 PM
خ- قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور آية:55).
هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق t وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، وقال الحافظ بن كثير: وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
د-قال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (سورة الفتح، آية:16) قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى:(وقد دل على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه : {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} (سورة التوبة، آية:83). وقال في سورة أخرى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} يعني الى قوله: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} ثم قال الله تعالى {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا} وقال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا} -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم الى قتالكم- كما {تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (سورة الفتح، آيتان:
15-16). والداعي لهم إلى ذلك غير النبي e قال الله -عزوجل- له {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} وقال في سورة الفتح: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلاً لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه e([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))،
وقد قال مجاهد في قوله: {أُولِي بَأْسٍ شَدِيد}. هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. قال عطاء: هم فارس وهو أحد قولي ابن عباس t، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))، فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله e وجب أنه أفضل المسلمين t([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
هـ- قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (سورة الحشر، الآية: 8).
وجه دلالة هذه الآية على خلافته t أن الله عز وجل سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب - جل وعلا- بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق t (خليفة رسول الله)([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)) e ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته t([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7)).
([1]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/121).
([2]) نفس المصدر (5/121).
([3]) الإبانة عن أصول الديانة، ص67؛ مقالات الاسلاميين (2/144).
([4]) جامع البيان للطبري (26/82-84)؛ الاعتقاد للبيهقي، ص173.
([5]) الإبانة في أصول الديانة، ص67.
([6]) منهاج السنّة (1/135)؛ الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/107).
([7]) عقيدة أهل السنّة والجماعة (2/538)، ناصر حسن الشيخ.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:20 PM
الأحاديث الدالة على خلافة أبي بكر t:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـ
وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر t فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح أوالإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)) ومن تلك الأحاديث .
(1) (جبير بن مطعم رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) قال: أتت امرأة النبي e فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت- قال e إن لم تجديني فأتي أبابكر .
قال ابن حجر رحمه الله : وفي الحديث أن مواعيد النبي e كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
(2) ( حديث حذيفة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) أن النبي r قال :اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر .
قال لعلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامعالترمذي:
فقوله e: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبوبكر وعمر وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
(3)( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) أن النبي r قال :بينا أنا نائم، رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن).
قال الشافعي رحمه الله: رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
(4)( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح مسلم ) قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم * في مرضه ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر .
دل هذا الحديث دلالة واضحة على فضل الصديق t حيث أخبر النبي e بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره t وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام ثم اجتمعوا على أبي بكر t([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
(5)(حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس . قال مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فعادت فقال مُري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف ، فأتاه فصلى بالناس في حياة النبي r .
([1]) عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة (2/539).
([2]) فتح الباري (7/24).
([3]) تحفة الاحوذي بشرح الترمذي (10/147).
([4]) الاعتقاد للبيهقي ، ص171.
([5]) عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة (2/542
ابو رضوان
09-19-2010, 07:21 PM
ولذا قال عمر رضي الله عنه : أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى اللهعليه وسلم لديننا ؟!
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: فضيلة أبي بكر الصديق t وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله e من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر t لأن أبابكر t لم يعدل الى غيره([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
مسألة : ما المراد بقول النبي r صواحب يوسف ؟
قال الإمام ابن حجر رحمه الله والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن .
ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ومرادها زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به .أهـ
ومن هنا يتبين أن من صفات المرأة أنها تظهر شيئاً لا تريده وتُخْفي في نفسها وبين جنبيها شيئاً آخر هو الذي تريده .
(6) ( حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري ) قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله). فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: يا أبا بكر لا تبك، إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر .
(7) قال عبدالله بن مسعود t: لما قبض رسول الله e قالت الأنصار:منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر t فقال: يامعشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله e قد أمر أبابكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبابكر t فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبابكر([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
(8) روى ابن سعد بإسناده الى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي e نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي e قد قدم أبابكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله e لديننا فقدمنا أبابكر([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)).
وقد علق أبو الحسن الأشعري على تقديم رسول الله e لأبي بكر في الصلاة فقال: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله e قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأكبرهم سناً، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاماً) - قال ابن كثير- وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق t وأرضاه([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
([1]) شرح النووي (4/137).
([2]) المستدرك (3/67).
([3]) الطبقات لابن سعد (3/183).
([4]) البداية والنهاية (5/265).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:22 PM
انعقاد الإجماع على خلافة الصديق t :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
أجمع أهل السنّة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي e أبوبكر الصديق t لفضله وسابقته ولتقديم النبي e إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي e مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن الرب جل وعلا ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكان لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، فعندما سئل سعيد بن زيد متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله e: كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وقد نقل جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنّة والجماعة على أن أبابكر t أولى بالخلافة من كل أحد([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) وهذه بعض أقوال أهل العلم:
قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: ياخليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي e عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: ياخليفة رسول الله ورضوا به من بعده رضي الله عنهم([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
وقال ابو الحسن الأشعري: أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين والأنصار والسابقين الى الاسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (سورة الفتح، الآية 18). قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق t وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
قال ابن تيمية رحمه الله: والتحقيق أن النبي e دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقوله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار رضي بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله e بياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبابكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر...) الى أن قال: (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله e له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه الى ما عملوه من تفضيل الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعاً لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد ، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لايحتاج فيه الى عهد خاص([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
}تنبيه{ :× على الرغم من أن أبا بكر الصديق t كان أحق الناس بالخلافة بالكتاب والسنة والإجماع إلا أنه لم يكن حريصاً على الخلافة ولا يوماً واحداً فقد ضرب أروع المثل في الزهد في الدنيا والعزوف عنها والرغبة في الآخرة والإقبال عليها إقبال الظامئ على المورد العذب :
وعند العُشّاري عن أبي الجحَّاف قال: لما بُويع أبو بكر رضي الله عنه أغلق بابه ثلاثة أيام يخرج إليهم في كل يوم فيقول: أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم فبايعوا من أحببتم. وكل ذلك يقوم إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: لا نُقيلك ولا نستقيلك وقد قدّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا يؤخرك؟ كذا في الكنز . وأخرجه ابن النجار عن زيد بن علي عن آبائه رضي الله عنهم قال: قام أبو بكر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل من كاره فأقيله؟ ــــ ثلاثاً يقول ذلك ــــ فعند ذلك يقوم علي بن أبي طالب فيقول: لا والله لا نُقيلك ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم . كذا في الكنز .
وأخرج ابن راهَوَيْه، والعدَني، والبَغَوي، وابن خُزيمة عن رافع بن أبي رافع قال: لما استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه قلت: يا صاحبي الذي أمرني أن لا أتأمر على رجلين، فارتحلت فانتهيت إلى المدينة فتعرَّضت لأبي بكر فقلت له: يا أبا بكر أتعرفني؟ قال: نعم. قلت: أتذكر شيئاً قلته لي؛ أن لا أتأمَّر على رجلين وقد وَلِيتَ أمر الأمة؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض والناس حديثو عهد بكفر، فخفت عليهم أن يرتدوا وأن يختلفوا؛ فدخلت فيها وأنا كاره، ولم يزل بي أصحابي. فلم يزل يعتذر حتى عذرته. كذا في الكنز .
×
([1]) عقيدة أهل السنة في الصحابة (2/550).
([2]) أباطيل يجب أن تمح من التاريخ، ابراهيم شعوط، ص101.
([3]) عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة (2/550).
([4]) تاريخ بغداد (10/130-131).
([5]) الإبانة عن أصول الديانة، ص66.
([6]) منهاج السنّة (1/139-141)؛ مجموع الفتاوى (35/47-49).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:23 PM
×الحزن على قبول الخلافة قول أبي بكر لعمر: أنت كلفتني هذا الأمر :
وأخرج ابن راهَوَيْه، وخيثمة في فضائل الصحابة وغيرهُما عن رجل من آل ربيعة أنه بلغه: أن أبا بكر رضي الله عنه حين استُخلف قعد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر رضي الله عنه، فأقبل عليه يلومه وقال: أنت كلّفتني هذا الأمر، وشكا إليه الحُكْمَ بين الناس. فقال له عمر: أوَ ا علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ الحق فله أجر واحد»؛ فكأنه سهَّل على أبي بكر رضي الله عنه، كذا في الكنز .
(38) أعماله العظيمة :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
من أعظم أعمال الصديق t سبقه إلى الإسلاموهجرته مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أعماله قبل الهجرة أنه أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله ، وهم : بلال بنأبي رباح ، وعامر بن فهيرة ، وزنيرة ، والنهدية وابنتها ، وجارية بني المؤمل، وأم عُبيس .
`ومن أعظم أعماله التي قام بها بعد تولّيه الخلافة حرب المرتدين:
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ
فقد كان رجلا رحيما رقيقاً ولكنه في ذلك الموقف ، في موقف حرب المرتدين كانأصلب وأشدّ من عمر رضي الله عنه الذي عُرِف بالصلابة في الرأي والشدّة في ذاتالله
وقد أشار بعض الصحابة ومنهم عمر على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق عن ذلك وأباه([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))،
( حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قال : لمَّا توفي رسول الله r وكان أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب، قال عمر : كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله r: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله). فقال: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق.
(عناقاً ) : صغير الماعز .
ثم قال عمر بعد ذلك؛ والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعاً في قتال أهل الردة([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وبذلك يكون أبو بكر قد كشف لعمر (وهو يناقشه) عن ناحية فقهية مهمة أجلاها له، وكانت قد غابت عنه وهي أن جملة جاءت في الحديث النبوي الشريف الذي احتج به عمر هي الدليل على وجوب محاربة من منع الزكاة حتى وإن نطق بالشهادتين وهي قول النبي e: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))، وفعلاً كان رأي أبو بكر في حرب المرتدين رأياًملهماً، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع إلى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فساداً([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
لقد تجلى فهمه الدقيق للإسلام، وشدة غيرته على هذا الدين، وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاض بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتاباً حافلاً، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة الى بيت المال، أو منعوها مطلقاً وأنكروا فرضيتها: قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)) وفي رواية قال عمر: فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وأرفق بهم، فقال لي: أجبّار في الجاهلية خوَّار في الإسلام، قد انقطع الوحي، وتم الدين أينقص وأنا حي([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
لقد سمع أبو بكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين وما عزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر -هذا الخليفة العظيم- في حياته كلها([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيهورجعوا إلى قوله واستصوبوه.
لقد كان أبو بكر t أبعد الصحابة نظراً، وأحقهم فهماً، وأربطهم جناناً في هذه الطامة العظيمة([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8))، والمفاجئة المذهلة، ومن هنا أتى قول سعيد بن المسيب رحمه الله: وكان أفقهم، يعني الصحابة، وأمثلهم رأياً([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9)). من خطباء الإيمان .
لقد سُجِّل هذا الموقف الصلب القوي لأبي بكر رضي الله عنه حتى قيل : نصر اللهالإسلام بأبي بكر يوم الردّة ، وبأحمد يوم الفتنة .
فحارب رضي الله عنه المرتدين ومانعي الزكاة ، وقتل الله مسيلمة الكذاب فيزمانه .
ومع ذلك الموقف إلا أنه أنفذ جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلمأراد إنفاذه نحو الشام.
وفي عهده فُتِحت فتوحات الشام ، وفتوحات العراق .
([1]) البداية والنهاية (6/315).
([2]) حروب الردة، محمد أحمد باشميل، ص24.
([3]) مسلم رقم 21.
([4]) الشورى بين الأصالة والمعاصرة، ص86.
([5]) المرتضى لأبي الحسن الندوي، ص70.
([6]) مشكاة المصابيح، كتاب المناقب رقم 6034.
([7]) الشورى بين الأصالة والمعاصرة، ص87.
([8]) حركة الردة، ص165.
([9]) البدر والتاريخ للمقدسي (5/153).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:24 PM
`:ومن أجَّلِ أعماله جمع القرآن الكريم:
( حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري )قال: بعث إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بقرَّاء القرآن في المواطن كلِّها، فيذهب قرآن كثير، و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شابّ عاقل لا نتَّهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبَّع القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلَّفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ ممَّا كلَّفني من جمع القرآن. قلت كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل يحثُّ مراجعتي حتى شرح الله صدري للَّذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، ورأيت في ذلك الذي رأيا، فتتبَّعت القرآن أجمعه من العُسُبِ والرقاع و اللخاف وصدور الرجال، فوجدت في آخر سورة التوبة: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}. إلى آخرها مع خزيمة، أو أبي خزيمة، فألحقتها في سورتها، فكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله عز وجل، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.
اللخاف: يعني الخزف.
إنَّ القتل قد استحرَّ : أي اشتد وكثر
ابو رضوان
09-19-2010, 07:45 PM
×كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر t بمشورة عمر بن الخطاب t بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، وأسند الصديق هذا العمل العظيم المشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري t، يروي زيد بن ثابت t فيقول: بعث إليّ أبو بكر t لمقتل أهل اليمامة([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر t: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتلاستحر([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله e([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6))؟!! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله e، فتتبع القرآن فاجمعه([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8)) قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليّ مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9))، واللخاف([10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn10))، وصدور الرجال، والرقاع([11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn11))، والأكتاف([12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn12)). قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره. {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (سورة التوبة، آية:128) حتى خاتمة براءة وكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم([13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn13)) وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح أن الصحابة -رضي الله عنهم- جمعوا بينالدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله e من غير أن يزادوا فيه أو ينقصوا منه شيئاً والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث وهو أنه كان مفرقاً في العسب، واللخاف، وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله، ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله e، وكان رسول الله e يُلقى أصحابه، ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه، إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا([14] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn14))، وهكذا يتضح للقارئ الكريم أن من أوليات أبي بكر الصديق t: أنه أول مَنْ جمع القرآن الكريم، يقول صعصعة بن صوحان رحمه الله: أول من جمع بين اللوحين، وورت الكلالة([15] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn15)): أبو بكر([16] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn16)).
([1]) حروب الردة وبناء الدولة الاسلامية، احمد سعيد، ص145.
([2]) يعني واقعة يوم اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وأعوانه.
([3]) استحر: كثر واشتد.
([4]) استحر: كثر واشتد.
([5]) أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار.
([6]) يحتمل أن يكون e إنما لم يجمع القرآن في المصحف، لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته e ألهم الله الخلفاء الراشدين بذلك. (سيرة وحياة الصديق، ص120).
([7]) هذه الصفات جعلت زيداً يتقدم على غيره في هذا العمل.
([8]) أي : من الاشياء التي عندي وعند غيرك.
([9]) العسب: هو جريد النخل.
([10]) اللخاف: جمع لخفة: وهي صفائح الحجارة.
([11]) الرقاع: جمع رقعة وهي قطع الجلود.
([12]) الأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير او الشاة.
([13]) البخاري رقم 4986.
([14]) شرح السنّة (4/522) للبغوي.
([15]) الكلالة في رأي ابوبكر الصديق من لا ولد له ولا والد، فقد قال t: رأيت في الكلالة رأياً فإن يك صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ من قِبَلي والشيطان، الكلالة ماعدا الولد والوالد، أي هم الأخوة. انظر: موسوعة فقه أبي بكر الصديق، ص36.
([16]) إسناده صحيح: اخرجه ابن أبي شيبة (7/196).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:46 PM
وقال علي بن أبي طالب t: يرحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
وقد اختار أبو بكر t زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة، وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها وهي:
1-كونه شاباً، حيث كان عمره 21 سنة، فيكون أنشط، لما يطلب منه.
2-كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له، إذ من وهبه الله عقلا راجحاً فقد يسر له سبيل الخير.
3-كونه ثقة، فليس هو موضعاً للتهمة، فيكون عمله مقبولاً، وتركن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.
4-كونه كاتباً للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر، وممارسة عملية له فليس غريباً عن هذا العمل، ولا دخيلاً عليه([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
هذه الصفات الجليلة جعلت الصديق يُرشِّح زيداً لجمع القرآن، فكان به جديراً، وبالقيام به خبيراً.
5-ويضاف لذلك أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي e، كما في الحديث الآتي :
( حديث قتادة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ ابن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لا يثبت شيئاً من القرآن، إلا إذا كان مكتوباً بين يدي النبي e، ومحفوظاً منالصحابة، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضاً لم يقبل من أحد شيئاً جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللهe، وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3))، وعلى هذا المنهج استمر زيد t في جمع القرآن حذراً متثبتاً مبالغاً في الدقة والتحري.
`:ومن أجل استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب :
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ــ ـــ ــ ـــ
في شهر جمادي الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية مرض الخليفة أبو بكر t، واشتد به المرض([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)) فلما ثقل واستبان له من نفسه -جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي،ورد عليكم أمركم فأمَّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة منِّي كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
([1]) أسناده صحيح: اخرجه ابن أبي شيبة (7/196).
([2]) التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد العجمي، ص73.
([3]) التفوق والنجابة على نهج الصحابة، ص74.
([4]) البداية والنهاية (7/18)؛ تاريخ الطبري (4/238).
([5]) التاريخ الاسلامي (9/258).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:47 PM
وقد قام أبو بكر t بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الخليفة القادم:
1-استشارة أبي بكر كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار:
وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني: فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان. فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عَدَتْك ثم دعا أسيد بن حضير فقال له: مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن الله خاف من شدته، فقد قال لأبي بكر ما أنت قائل لرَبِّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبالله تخوفوني؟ خاب من تزوَّدَ من أمركم بظلم أقول اللهم استخلفت عليهم خيْرَ أهْلكَ([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
وبين لمن نبهه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)).
2-ثم كتب عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد فكان نص العهد:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني أستخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاستمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي، وإياكم خيراً، فإن عَدَلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) (سورة الشعراء، آية:227).
إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا لها استشرفتهمشهواتها، فنكلت بهم واستبدت، وذاك ما حذرهم رسول الله e إياه([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4))، قال رسول الله e: فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)). لقد أبصر أبو بكر الداء فأتى لهم t بدوء ناجع.. جبل شاهق، إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي e: أيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده مالقيك الشيطان سالكا فجاً قط إلا سلك فجّاً غير فجّك([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)). إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة، قد بدأت بقتل عمر، هذه القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبدالله بن مسعود t قال: أفرس الناس ثلاثة صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وأبو بكر حين استخلف عمر([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7))، فقد كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8)).
([1]) الكامل لابن الأثير (2/79)؛ التاريخ الاسلامي، محمود شاكر، ص101 الخلفاء الراشدون.
([2]) الكامل لابن الأثير (2/79).
([3]) تاريخ الاسلام للذهبي - عهد الخلفاء- ص116-117.
([4]) أبوبكر رجل الدولة، ص99.
([5]) البخاري، كتاب الجزية والموادعة رقم 3158.
([6]) البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي رقم 3683
([7]) مجمع الزوائد (10/268) قال الهيثمي رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح، وأخرجه الحاكم (3/90) وصححه ووافقه الذهبي.
([8]) أبوبكر رجل الدولة، ص100.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:47 PM
×ما وقع بين أبي بكر وبين عبد الرحمن وعثمان في إستخلاف عمر :
وسمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدخول عبد الرحمن، وعثمان على أبي بكر ـ رضي الله عنهم ـ وخَلْوتهما به، فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن إستخلافك عمر علينا وقد ترى غِلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تُخوِّقوني، خاب من تزوَّد من أمركم بظلم أقول: اللهم إستخلفت عليهم خير أهلك. أبلغ عني ما قلت لك مَنْ وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان، فقال أكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدُق الكاذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا وإِني لم آلُ الله ورسولَ ودينَه ونفسي وإِياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظنِّي به، وعلمي فيه؛ وإن بدّل فلكل امرىء ما اكتسب (من الإِثم). الخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب {ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ} (الشعراء: 227) والسلام عليكم ورحمة الله.
ثم أمر بالكتاب فختمه. ثم قال بعضهم: لما أملَى أبو بكر رضي الله عنه صَدْر هذا الكتاب بقي ذِكْرُ عمر، فذُهب به قبل أن يُسمّي أحداً. فكتب عثمان رضي الله عنه: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب. ثم أفاق أبو بكر فقال: إقرأ عليّ ما كتبت. فقرأ عليه ذكر عمر، فكبَّر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك فتختلف، فجزاك الله عن الإِسلام وأهله خيراً، والله إِنْ كنت لها لأهلاً. ثم أمره فخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأُسَيد بن سعيد القرظي، فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به ـ قال ابن سعد: عليٌّ القائل ـ وهو عمر. فأقرُّوا بذلك جميعاً. ورضوا به وبايعوا.
ثم دعا أبو بكر عمر خالياً وأوصى به بما أوصاه به، ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدّاً فقال؛ اللهمَّ إني لم أُرِدْ بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي، فولَّيت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحصرهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فأخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلِحْ لهم وإليَهم، واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هَدْي نبي الرحمة وهَدْي الصالحينَ بعده، وأصلح له رعيته. وكذا في الكنز .
×جواب أبي بكر لطلحة إذ خالفه في استخلاف عمر :
وعند الّلكالئي عن عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ قال: لما حضرت أبا بكر الصديق الوفاةُ دعا عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فأملى عليه عهده، ثم أُغمِي على أبي بكر قبل أن يملي أحداً، فكتب عثمان: عمر بن الخطاب، فأفاق أبو بكر فقال لعثمان: كتبتَ أحداً؟ فقال: ظننتك لمآبك وخشيت الفُرقة فكتبت عمر بن الخطاب. فقال: يرحمك الله أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلاً. فدخل عليه طلحة بن عبيد الله فقال: أنا رسول مَنْ ورائي إليك، يقولون: قد علمت غِلظة عمر علينا في حياتك فكيف بعد وفاتك إذا أفضيت إليه أُمورنا؟ والله سائلك عنه، فانظر ما أنت قائل. فقال: أجلسوني. أبالله تخوِّقوني، قد خاب أمرؤ ظنَّ من أمركم وهماً، إذا سألني الله قلت: إستخلفت على أهلك خيرهم لهم، فأبلْغهم هذا عنِّي.
ابو رضوان
09-19-2010, 07:48 PM
وصية أبي بكر لعمر لما أراد أن يستخلفه :
أخرج ابن عساكر عن سالم بن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ قال: لما حضر أبا بكر رضي الله عنه الموتُ أوصى:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهد من أبي بكر الصدِّيق، عند آخر عهده بالدنيا، خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتَّقي الفاجر، ويصدّق الكاذب: إني استخلفت من بعدي عمر بن الخطاب. فإن عدل فذلك ظنِّي فيه، وإِن جار وبدَّل فالخيرَ أردت، ولا أعلم الغيب.
ثم بعث إلى عمر رضي الله عنه فدعاه فقال: «يا عمر، أبغضك مبغض، وأحبك محب، وقِدْماً يُبغض الخير ويُحب الشر ـ قال: فلا حاجة لي فيها ـ قال: لكن لها بك حاجة، وقد رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتَه، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى إِن كنا لنهدي لأهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإِنما اتبعت أثر من كان قبلي، والله ما نمت فحلمت، ولا شهدت فتوهَّمت، وإِني لعلى طريق ما زغت، تَعَلَّم يا عمر، إِنَّ لله حقاً في الليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإِنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتَّباعهم الحق، وحُقَّ الميزان أن يثقل لا يكون فيه إِلا الحق، وإِنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحُقَّ لميزان أن يخفَّ لا يكون فيه إلا الباطل. إنَّ أول ما أحذرك نفسك، وأحذرك الناس فإنَّهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أهواؤهم، وأن لهم الخيرة عن زلّة تكون، فإياه تكونه، فإنهم لن يزالوا خائفين لك فرقين منك ما خفت الله وفرقته. وهذه وصيتي، وأقرأُ عليك السلام».
كذا في الكنز .
وعند ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهَنَّاد، وابن جرير، وأبي نُعَيم في الحلية عن عبد الرحمن بن سابط، وزيد بن زبيد بن الحارث، ومجاهد قالوا: لما حضر أبا بكر الموتُ دعا عمر t وقال له: «إتَّق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تُؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتَّباعهم الباطل في الدنيا وخفَّته عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً. وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئته، فإذا ذكرتهم قلت: إِني لأخاف أن لا ألحق بهم؛ وأن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردَّ عليهم أحسنه؛ فإذا ذكرتهم قلت: إِني أخاف أن أكون مع هؤلاء ــ وذكر آية الرحمة وآية العذاب ـ فيكون العبد راغباً راهباً، ولا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يقنط من رحمته، ولا يُلقي بيديه إلى الهلكة. فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكُ غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك وإن أنت ضيَّعت وصيتي فلا يكُ. غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجِزِه».
كذا في منتخب الكنز .
ابو رضوان
09-19-2010, 07:49 PM
(39) إكرامه لأهل البيت :
أخرج أبو نُعيم والجابري في جزئه عن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: جاء الحسن بن علي إلى أبي بكر رضي الله عنهم وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انزل عن مجلس أبي، قال: صدقت، إنه مجلس أبيك، وأجلسه في حجره وبكى. فقال علي رضي الله عنه: والله ما هذا عن أمري. فقال: صدقتَ والله ما اتهمتك. وعند ابن سعد عن عروة أن أبا بكر خطب يوماً فجاء الحسن فصعد إليه المنبر، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال علي: إن هذا شيء من غير ملأ منا. كذا في الكنز .
وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري والنسائي والحاك عن عقبة بن الحارث قال: خرجت مع أبي بكر رضي الله عنه من صلاة العصر بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال، وعلي رضي الله عنه يمشي إلى جنبه. فمر بحسن بن علي يلعب مع غِلمان، فاحتمله على رقبته وهو يقول: بأبي شبيهُ بالنبي ليس شبيهاً بعلي وعلي يضحك. كذا في الكنز .
`وفاة الصديق t :
قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يوماً بارداً فحُمّ خمسة عشرة يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال إني فعال لما أريد([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2))، وقالت عائشة رضي الله عنها قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي. فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)) كان يسقي بستاناً له. فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)).
وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج مايعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليّ كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}(سورة ق، آية:19). ثم قال: يا عائشة: إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك،وقد كنت نحلتك حائطاً([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5))، وإن في نفسي منه شيئاً فردِّيه إلى الميراث. قالت: نعم فرددته. وقال t: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين وقياماً بوظائف الخلافة فيضطر الى أخذ نفقته من بيت المال بما لايزيد عن الحاجة الى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن ولما أشرف على وفاته، وعنده فضلة من مال المسلمين وهي ذلك المتاع الحقير، يأمر بردها إلى المسلمين ليلقى ربه آمناً مطمئناً، نزيه القلب، طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الإيمان، إن في هذا لبلاغاً وانها لموعظة لقوم يعقلون([7] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn7)).
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً حتى كان يوم الاثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله e؟ قالت في يوم الإثنين، قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيم كفنتموه؟
قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص، ولاعمامة فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين([8] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn8))، فقيل له قد رزق الله وأحسن نكفنك في جديد، قال: إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد، وإلى البلى([9] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn9))، وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله e، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى:{ تَوَفَّنِيمُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}([10] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn10)) (سورة يوسف، آية:101).
وارتجّت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يوماً، أكثر باكياً، وباكية من ذلك المساء الحزين وأقبل علي بن أبي طالب مسرعاً، باكياً، مسترجعاً ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر فقال: رحمك الله يا أبا بكر.. كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم يقيناً، وأشدهم لله يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم على رسول الله e، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هدياً وسمتاً، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء. صدقت رسول الله e حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله، صديقاً فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(سورة الزمر، آية:33). واسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمُنَّزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر مالم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاجرسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله تعالى، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عز وجل، وأتقاهم ... شأنك الحق والصدق والرفق قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان وظهر أمر الله، فسبقت -والله- سبقاً بعيداً، واتعبت من بعدك إتعاباً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله عز وجل قضاءه وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبداً، كنت للدين عزاً، وحرزاً وكهفاً فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد e، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت([11] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn11))وجاء في رواية: إن علياً قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سُجِّي أنه قال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إليّ من هذا المُسَجَّى([12] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn12)) هذا وقد توفي الصديق رحمه الله وهو ابن ثلاث وستين سنة ... مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك([13] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn13))، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله([14] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn14))، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبدالرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله e([15] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn15)).
([1]) أصحاب الرسول، محمد المصري (1/104).
([2]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية، ص33.
([3]) الناضح: هوالبعير الذي يستقى عليه.
([4]) صفة الصفوة (1/265).
([5]) حائطاً: وفي رواية جَداد وهي بمعنى قطع ثمرة النخل (صفة الصفوة، 1/266).
([6]) الطبقات لابن سعد (3/146،147) رجاله ثقات.
([7]) أشهر مشاهير الاسلام (1/94).
([8]) أصحاب الرسول (1/106).
([9]) التاريخ الاسلامي، محمود شاكر، الخلفاء الراشدون، ص104.
([10]) الشيخان ابوبكر الصديق وعمر بن الخطاب برواية البلاذري في انساب الأشراف. تحقيق د. إحسان صدقي العمد، ص69.
([11]) التبصرة لابن الجوزي (1/477-479) نقلاً عن أصحاب الرسول (1/108).
([12]) تاريخ الاسلام للذهبي ، عهد الخلفاء الراشدين، ص120.
([13]) الطبقات لابن سعد (3/203،204) وإسناده صحيح.
([14]) تاريخ الاسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، ص120.
([15]) أصحاب رسول الله (1/106).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:51 PM
×` ثانياً : صورٌ مشرقة من زهد أبي بكر الصدَّيق t :
لقد فهم أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه رضي الله عنه من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها ، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف ، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي
(1) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيلكما قال النبى صلى الله عليه وسلم: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ .
( حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري ) قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
( حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي ) أن النبي r قال : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناحبعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء .
( حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة ) أنَّ رسول الله r قال : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما .
(3) أن عمرها قد قارب على الانتهاء :
( حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين ) أن النبي r قال :بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى .
(4) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار :
كما قال مؤمن آل فرعون:
( يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ غافر: 39 ، 40]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
ابو رضوان
09-19-2010, 07:51 PM
وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه
`يتجلى زهد الصديق رضي الله عنه في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى:فقدوَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك ، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف رضي الله عنهفكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى،ويتجلى ذلك في المواقف الآتية
(1) إنفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله :
فقد أعتق بلال ابن رباح رضي الله عنه و عامر بن فهيرة الذي شهد بدراً وأحداً، وقتل يوم بئر معونة شهيداً و وأم عبيس، وزنِّيرة التي أصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ماأذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وماتنفعان، فرد الله بصرها([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))،وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبدالدار مرّ بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبداً: فقال أبو بكر t حِلُّ([2] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn2)) يأم فلان فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. وقال: قد أخذتهما وهما حرتان ألينها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه ياأبابكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما([3] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn3)). وغيرهم ن وهكذا كان الصديق يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ، ولا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآناً يتلى الى يوم القيامة قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى`وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى`فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى`وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى`وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى`فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى`وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى`إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى`وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى`فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى`لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى`الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى`وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى`الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى`وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى`إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى`وَلَسَوْفَ يَرْضَى`}([4] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn4)) (سورة الليل، الآيات: 5-21).
(2) نفقة الصديق في تبوك :
حث رسول الله e الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته وكان عثمان t صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة([5] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn5)).
وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبابكر بذلك ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك .
( حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي ) قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق ، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، فجئت بنصف مالي ، فقال [ لي ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" ما أبقيت لأهلك ؟ "" فقلت: مثله ، قال: وأتى أبو بكر [ رضي الله عنه ] بكل ما عنده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" ما أبقيت لأهلك ؟ "" قال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا .
قال صاحب تحفة الأحوذي :
قَوْلُهُ: ( أَنْ نَتَصَدَّقَ ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ
( وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا ) أَيْ: صَادَفَ أَمْرُهُ بالتَّصَدُّقِ حُصُولَ مَالٍ عِنْدِي، فَعِنْدِي حَالٌ مِنْ مَالٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِمَّا قَبْلَهُ يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَالٌ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ
( الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ من مناقبه ) أَيْ: بِالْمُبَارَزَةِ، أَوْ بِالْمُبَالَغَةِ
( إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا ) أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَوَابِهَا مَا قَبْلَهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَهَذَا يَوْمُهُ، وَقِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ: مَا سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( قَالَ ) أَيْ: عُمَرُ ( قُلْتُ مِثْلَهُ ) أَيْ: أَبْقَيْتُ مِثْلَهُ يَعْنِي نِصْفَ مَالِهِ
( بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ ( اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) مَفْعُولُ: أَبْقَيْتُ أَيْ: رِضَاهُمَا
(لا أسابقك إلى شىء أبدا) أَيْ: مِنَ الْفَضَائِلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُغَالَبَتِهِ حِينَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَقِلَّةِ مَالِ أَبِي بَكْرٍ فَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْبِقَهُ.أهـ
كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحاً ولكن حال الصديق t أفضل منه لأنه خال من المنافسة مطلقاً ولا ينظر إلى غيره([6] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn6)).
([1]) السيرة النبوية لابن هشام (1/393).
([2]) حل: تحللي من يمينك.
([3]) السيرة النبوية لابن هشام (1/393).
([4]) تفسير الآلوسي (30/152).
([5]) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص615.
([6]) الفتاوى لابن تيمية (10/72،73).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:52 PM
`وكان أبو بكرٍ الصديق من أزهد الناس وأتقى الناس .
(حديث عائشة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين )قالت :" دخلت على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها. قلت: إن هذا خَلَق ؟ قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة.
فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء. ودفن قبل أن يصبح " ( البخاري 1321) .
قال الإمام ابن حجر في الفتح :
في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ : أي كم ثوبا كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم فيه .
وقوله في كم معمول مقدم لكفنتم قيل ذكر لها أبو بكر ذلك بصيغة الإستفهمام توطئة لها للصبر على فقده واستنطاقا لها بما يعلم أنه يعظم عليه ذكره لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها لأنه يبعد أن يكون أبو بكر نسي ما سأل عنه مع قرب العهد ويحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته لأنه لم يحضر ذلك لإشتغاله بأمر البيعة وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضا محتمل لأنه صلى الله عليه وسلم دفن ليلة الأربعاء فيمكن أن يحصل التردد هل مات يوم الإثنين أو الثلاثاء .
قلت: إن هذا خَلَق : خلق بفتح المعجمة واللام أي غير جديد ، وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الأكفان ويؤيده قوله بعد ذلك إنما هو للمهلة ، ولا يعارضه حديث جابر في الأمر بتحسين الكفن أخرجه مسلم فإنه يجمع بينهما بحمل التحسين على الصفة وحمل المغالاة على الثمن . أهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :"أهل العلم يقولون : أبو بكر الصديق أزهد الناس بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الزهد الشرعي أبو بكر وعمر " ( المنهاج )
`مات أبو بكر رضي الله عنه وما ترك درهما ولا دينارا :
قال الحسن بن علي – رضي الله عنه:"لما احتضر أبو بكر – رضي الله عنه – قال : يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها ، والجفنة التي كنا نصطبح فيها ، والقطيفة التي كنا نلبسها ، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين فإذا مت فرديه إلى عمر ، فلما مات أبو بكر – رضي الله عنه – أرسلت به إلى عمر – رضي الله عنه – فقال عمر – رضي الله عنه - : رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك " .
` روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لمّا اجتمع أصحاب النبي e وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألحَّ أبو بكر t على رسول الله e في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنَّا قليل . فلم يزل أبو بكر يُلِحُ حتى ظهر رسول الله e، وتفرق المسلمين في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله e جالس، فكان أوّل خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله e، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضرباً شديداً، وَوُطِئ أبو بكر وَضُرِبَ ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر t، حتى مايُعْرَف وَجْهُهُ من أنفه، وجاءت بنو تميم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحَمَلت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولايشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة (والده) وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: مافعل رسول الله e؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: مافعل رسول الله e؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر سألك عن محمد بن عبدالله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولامحمد بن عبدالله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوماً نالوا منك لأهل فسق وكفر إنني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله e؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله e، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله e، فقال: فأكب عليه رسول الله فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقّ له رسول الله e رقة شديدة فقال أبو بكر : بأبي وأمي يارسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وأدع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله e ودعاها إلى الله فأسلمت([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1)).
([1]) السيرة النبوية لابن كثير (1/439-441)؛ البداية والنهاية (3/30).
ابو رضوان
09-19-2010, 07:54 PM
الشاهد على زهده :
إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام فقد كانوا آيةً في الزهد في الدنيا والعزوف عنها والإقبال على الآخرة متحملين من الأذى والشدة واللأواء ما تنوء به الجبال ، وما ذلك إلا لاستصغار الدنيا في أعينهم وإيثار مصالح الآخرة على مصالح الدنيا ، دون أدنى اهتمام للمحافظة على وجاهتهم في قومهم ، فيصيبه من أذى القوم وسفههم، مع أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والإحسان، فأبْصِرْ وَتعَلَم من أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه الذي لاتأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله e و لم يعد يهمه -بعد إسلامه- إلا أن تعلوا راية التوحيد، ويرتفع النداء لا إله إلا الله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلاً أن يدفع حياته ثمناً لعقيدته وإسلامه .
`دفاع أبي بكر الصديق عن النبي e:
( حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري )قال:سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم. [ غافر:28] .
إن هذا الحدث العظيم في طياته منقبتين متلازمتين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما : محبة لرسول الله r وزهده في الدنيا وإقباله على الآخرة وإن عرضه ذلك لأي مصاعب أو مشاق .
كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي e قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وانه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم: (ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله؟) فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، ويجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع)
`رد جوار ابن الدغنة عليهمما يدل على أنه لا يريد وجاهة أو منعة بل كان رضي الله تعالى عنه عابداً زاهدا
( حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري )قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله e طرفي النهار: بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة([1] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_ftn1))- فقال:أين تريد ياأبابكر؟ فقال أبوبكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك ياأبابكر لا يخرج ولا يُخْرَجُ إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فأنا لك جار. ارجع وأعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبابكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبابكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ماشاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبوبكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبوبكر رجلاً بكاءًلايملك عينه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا الى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبابكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمته، فإنا قد كرهنا أن نغفرك ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع اليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر:فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد أريت دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين). وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي). قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: (نعم). فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.
([1]) ابن الدغنة: قيل اسمه الحارث بن يزيد وقيل مالك وقيل ربيعة بن رفيع. والقارة قبيلة من بني الهون بن خزيمة.
منقول من كتاب
فصل الخطاب في الزهد والرقائق والاداب ج/2
مسلمة لله
09-19-2010, 08:45 PM
بارك الله فيك أخي
وجزاك الله كل خير
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir